|
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين أما بعد،
فلا يزال درسنا في أحكام الزكاة، وكنا قد شرحنا في الدرس السابق ما تبقى من أحكام زكاة السائمة، وزكاة الخارج من الأرض من الحبوب والثمار ومن المعادن، ووصلنا إلى باب زكاة الأثمان، فنبتدأ بها إلا إن رأيتم أن نبدأ بالإجابة عن السؤال.
الحلقة الماضية إلى الآن لم تصل، لكن لعلنا في المتن
هو في كل حلقة سوف يُطرح أسئلة أو سؤالان وحقيقة نشكر الإخوة المشاهدين والأخوات المشاهدات على المتابعة والاهتمام والعناية ويتبين ذلك من جودة الأسئلة حقيقة التي سمعناها في الدرس السابق والدرس الذي قبله، فنحثهم أيضًا على مزيد من العناية والاهتمام فإن مثل هذه الدروس وهذه القناة نعمة عظيمة من الله -عز وجل- على الإنسان, نعمة عظيمة أن تأتيك مثل هذه الدروس وأنت في بيتك، وقد كان السلف- رحمهم الله- يرحلون من أجل طلب العلم، فها هو العلم الآن يأتيك في بيتك ما عليك فقط، إلا الاهتمام والمتابعة وذلك من فضل الله -تعالى- علينا، فنحث الإخوة المشاهدين على متابعة هذه الدروس وعلى الاستفادة منها وعلى العناية بها، وأيضًا على استحضار النية في طلب العلم، فقد ذكر العلماء أن الاشتغال بطلب العلم الشرعي، أنه أفضل من الاشتغال بنوافل العبادات، فأنت يا أخي المشاهد ويا أختي المشاهدة إذا اشتغلت بمثل هذه الدروس بطلب العلم الشرعي علم الكتاب والسنة، أفضل من أن تشتغل بنوافل العبادات، من صلاة وذكر وغير ذلك، وعلل العلماء لذلك بأن الاشتغال بطلب العلم نفعه متعدد، بينما الاشتغال بنوافل العبادات نفعها قاصر على صاحبها، فنرجو من الإخوة المشاهدين العناية بهذه الدروس والاستفادة منها.
نبدأ بباب زكاة الأثمان نقرأ عبارة المؤلف.
بسم الله الرحمن الرحيم، باب زكاة الأثمان يقول المؤلف ابن قدامة -رحمه الله تعالى: (وهي نوعان ذهب وفضة ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم فيجب فيها خمسة دراهم ولا في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقالاً فيجب فيه نصف مثقال فإن كان فيهما غش فلا زكاة فيهما حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصاباً فإن شك في ذلك خُيِّر بين الإخراج وبين سبكهما ليعلم ذلك)
قال -رحمه الله-: باب زكاة الأثمان، ثم فسر المراد بالأثمان بأنها الذهب والفضة، والذهب والفضة من قديم الزمان هما أنفس المعادن، أنفس المعادن الذهب والفضة، وقد ورد ذكرهما في القرآن ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: 34]، وهما الأصل في النقدية، الأصل في النقود الذهب والفضة، ولذلك من قديم الزمان والنقود تسك من الذهب والفضة، وما يسك من الذهب يسمى: دنانير وما يسك من الفضة يسمى: دراهم، وفي الوقت الحاضر أصبحت تسك النقود من الأوراق النقدية، ولكن لها ارتباط بالذهب والفضة، ولذلك فعندما نبحث نصاب الذهب والفضة، نبحث أيضًا معه نصاب الأوراق النقدية.
قال المؤلف -رحمه الله-: (ولا زكاة في الفضة حتى تبلغ مائتي درهم)، وهذا بالنص والإجماع، كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ليس فيما دون خمس أواق من الدراهم صدقة)، والمقصود بخمس أواق يعني: من الفضة، والأوقية: أربعون درهماً فإذا ضربنا خمسة في أربعين الناتج: مائتا درهم، فيكون هذا هو نصاب الفضة بالدراهم، ولكن الناس الآن لا يتعاملون بمثل هذه المقاييس، إنما يتعاملون في الذهب والفضة بالجرامات، فنريد إذن: أن نعرف مقدار الفضة بالجرامات وكذلك أيضًا مقدار الذهب بالجرامات، فنقول: إن مائتي درهم تعادل بالجرامات خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً.
وأما الذهب نصابه فهو كما قال المؤلف: (ولا في الذهب حتى يبلغ عشرين مثقال)، نصاب الذهب: عشرون مثقالاً، وعشرون مثقالاً تعادل بالجرامات في الوقت الحاضر خمسة وثمانين جراماً، فيكون إذن هذا هو نصاب الذهب والفضة، الذهب نصابه خمسة وثمانون جراماً, الفضة نصابها خمسمائة وخمسة وتسعون جراماً، قال: (فيجب فيها نصف مثقال)، قال قبل ذلك في الفضة: (يجب فيها خمسة دراهم)، يعني: ربع العشر، وفي الذهب: نصف مثقال أيضًا ربع العشر، ومعنى ربع العشر: أنك تقسم الرقم على عشرة ثم على أربعة، فلو قسمنا عشرين على عشرة كم؟ اثنان، ثم نقسم اثنان على أربعة، كم؟ نصف، فيكون إذن في عشرين مثقالاً نصف مثقال، كما قال المؤلف: (فيجب فيها نصف مثقال)، أيضًا الفضة مائتا درهم نقسمها أولاً على عشرة مئتان تقسم عشرة كم؟ نقسم عشرين على أربعة؛ لأننا نريد ربع العشر، عشرين على أربعة كم؟ خمسة، هذا معنى قول المؤلف: (فيجب فيها خمسة دراهم)، يعني يجب في الفضة إذا كانت مائتا درهم خمسة دراهم، ويجب في الذهب إذا كان عشرين مثقالاً, نصف مثال، ونحن قلنا: إن هذا في الذهب والفضة, وكذلك أيضًا يُقاس عليهما الأوراق النقدية في الوقت الحاضر، وقد كان الناس- كما ذكرت- يتعاملون بالدنانير والدراهم، ولكن أصبح الناس الآن يتعاملون بالأوراق النقدية واختلف العلماء أول ما انتشرت وبرزت هذه الأوراق النقدية اختلف علماء العصر في تكييفها الفقهي، ثم بعد ذلك استقرت المجامع الفقيه والهيئات العلمية على أن الأوراق النقدية نقد قائم بذاته حكمه حكم الذهب والفضة، وأن العلة فيه الثمنية، هو نقد قائم بذاته حكمه حكم الذهب والفضة، في جميع الأحكام من جهة جريان الربا ومن جهة الزكاة وعلى هذا استقر رأي المجامع الفقهية ومنها مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي وكذلك هيئة كبار العلماء بالمملكة استقر الرأي على أن الأوراق النقدية نقد قائم بذاته حكمه حكم الذهب والفضة، وأن هذه الأوراق النقدية أجناس فالريالات السعودية جنس, الليرات جنس، الجنيهات جنس، الدولارات جنس، اليورو جنس، وهكذا فهي أجناس ويترتب على ذلك ما يترتب من مسائل وأحكام في باب الربا, (فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) وهذه تفاصيلها تذكر في باب الربا، لكن الذي يهمنا هنا هو الزكاة، فإذا أردنا أن نخرج زكاة الأوراق النقدية أولاً: نريد معرفة نصاب الأوراق النقدية، نحن عرفنا الآن نصاب الذهب بأنه خمسة وثمانون جراماً, الفضة خمسمائة وخمسة وتسعين، ما نصاب الأوراق النقدية؟ المجامع الفقهية أيضًا والهيئات العلمية ذكرت أن نصاب الأوراق النقدية هو أقل النصابين من الذهب أو الفضة، ونحن قلنا: إن الأوراق النقدية لها ارتباط بالذهب والفضة، فيكون نصابها في الزكاة إذن هو نصاب أقل النقدين الذهب أو الفضة، وفي الوقت الحاضر أيهما أرخص الذهب أم الفضة؟ الفضة أرخص بكثير، يعني: مثلاً عندنا في المملكة جرام الفضة لا يصل إلى ريال بينما جرام من الذهب يصل إلى عشرات الريالات، فالفضة إذن أرخص بكثير من الذهب، ولهذا نستطيع أن نقول في الوقت الحاضر: إن نصاب الأوراق النقدية هو نصاب الفضة، فإذا أردنا أن نعرف كم نصاب الأوراق النقدية بالريالات السعودية، فلننظر كم تساوي خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً بالريالات السعودية فيكون هذا هو نصاب الأوراق النقدية، إذا أردنا أن نعرف كم نصاب الأوراق النقدية بالجنيهات المصرية فأيضاً ننظر كم قيمة خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً بالجنيهات المصرية، إذا أردنا أن نعرف خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً كم نصابها بالدينارات الكويتية. ننظر كم تساوي الخمسمائة وخمسة وتسعين بالدينارات الكويتية وهكذا، فيكون هذا هو نصاب الأوراق النقدية ومعلوم أن الفضة وكذلك الذهب سعرها ليس ثابتاً ترتفع وتنخفض، وتنشر أسعار الذهب والفضة يومياً في الصحف فسعرها ليس ثابتاً ولذلك لا نستطيع أن نعطي رقماً ثابتاً لنصاب الأوراق النقدية في الوقت الحاضر. الفضة تصل إلى ما بين خمسمائة إلى خمسمائة وخمسين ريالاً، وكانت في أعوام سابقة، ربما وصلت إلى ثلاثمائة وعشرين ريالاً ففي هذه الحدود ما بين ثلاثمائة إلى خمسمائة ريال، وقد تكون بينهما وربما كانت فوق ذلك بحسب سعر الفضة, لكن المهم هو أن نضبط القاعدة في هذا: إذا أردنا أن نعرف نصاب الأوراق النقدية نقول: نصابها في الوقت الحاضر هو نصاب الفضة، فننظر كم يساوي الجرام من الفضة فنضربه في خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً، وبذلك يخرج لنا نصاب الأوراق النقدية.
ثم قال -رحمه الله: (فإن كان فيهم) يعني: في الذهب والفضة (غش، فلا زكاة فيهما حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصاب)، أفادنا المؤلف بهذا أن التقدير السابق إنما هو للذهب والفضة الخالصين، أما إذا لم يكونا خالصين فلابد من أن يبلغ قدرهما قدر الذهب الخالص, والفضة الخالصة بالنسبة للفضة، الذهب الخالص يطلق عليه: عيار أربعة وعشرين، أما إذا كان أقل من ذلك مثل عيار اثنين وعشرين أو عيار ثمانية عشر، أو أربعة عشر، فمعنى ذلك أن الذهب ليس خالصاً وإنما معه شيء آخر كالنحاس مثلاً أو غيره، فالتقدير الذي ذكرناه وهو عشرون مثقالاً, خمسة وثمانين جراماً، إنما هو للذهب الخالص، فإذا كان الذهب ليس خالصاً كأن يكون مثلاً من عيار اثنين وعشرين فهل نقول: إن نصاب الذهب هو خمسة وثمانين جراماً وهو عشرون مثقالاً؟ لا.. ننظر كم يعادل الذهب مثلاً بعيار واحد وعشرين، كم يعادل من الذهب الخالص، فإذا عادل ما قدره خمسة وثمانون جراماً نقول: بلغ النصاب، لكن لو كان مثلاً مائة جرام عيار ثمانية عشر ولكن عند تقديره بالذهب الخالص نجد أنه لا يصل إلى خمسة وثمانين جراماً، يصل مثلاً إلى ثمانين جراماً من الذهب الخالص، حينئذ نقول: إن هذا الذهب لم يبلغ النصاب، فإذن: هذا التقدير الذي ذكرناه عشرون مثقالاً، خمسة وثمانون بالنسبة للذهب. مائتي درهم، خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً بالنسبة للفضة، إنما هو للذهب والفضة الخالصين، أما غير الخالص فلابد من تقديره بالخالص؛ ولهذا قال المؤلف: (فلا زكاة فيهما حتى يبلغ قدر الذهب والفضة نصاب)، يعني: من الذهب والفضة الخالصين.
(فإن شك في ذلك خُيِّرَ بين الإخراج وبين سبكهما ليعلم قدر ذلك)، يعني: في مثالنا السابق لو قلنا: هذا الذهب من عيار ثمانية عشر لا ندري هل يبلغ نصاباً أم لا، فنقول: يسبك هذا الذهب حتى يعرف كم يعادل، والغالب أن أهل الخبرة وأهل الذهب والفضة يقدرون كم قيمته بالذهب الخالص، وخاصة في الوقت الحاضر الذي تقدمت فيه وسائل التقنية والمقاييس المعاصرة فمن السهل معرفة مقداره بالذهب الخالص.
زكاة الحلي
نكمل عبارة المؤلف.
ثم قال -رحمه الله تعالى-: (ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية والمباح للنساء كل ما جرت عادتهن بلبسه من الذهب والفضة, ويباح للرجال من الفضة الخاتم وحلية السيف والمنطقة ونحوهما، فأما المعد للكراء والادخار أو المحرم ففيه الزكاة).
نعم، قال: ( ولا زكاة في الحلي المباح المعد للاستعمال والعارية)، أفادنا المؤلف بهذا أن الحلي المعد للاستعمال لا زكاة فيه، الحلي المعد للاستعمال الذي تشتريه المرأة للبسه، أنه لا زكاة فيه، وهذا هو المذهب عند الحنابلة، وهو أيضًا مذهب المالكية، والشافعية، فهو مذهب جمهور الفقهاء، وثبت عن خمسة من الصحابة- كما قال الإمام أحمد- في رواية الأثرم: خمسة من الصحابة لا يرون الزكاة في الحلي المعد للاستعمال وهم: جابر بن عبد الله وابن عمر وأنس وعائشة وأختها أسماء -رضي الله تعالى عنهم- إذن: هذا هو مذهب الجمهور أن الحلي المعد للاستعمال لا زكاة فيه.
والقول الثاني في المسألة: تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال، وهو مذهب الحنفية، ونصره بعض العلماء المعاصرين، وعندما ننظر للأدلة نجد أن هناك أدلة في ظاهرها توجب الزكاة، كحديث أو( قصة المرأة صاحبة المسكتين التي أتت النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان قال -عليه الصلاة والسلام-: أتؤدين زكاة هذه، قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله -تعالى- سوارين من نار، فألقتهما وقالت هما لله ورسوله)، فأيضاً حديث عائشة أنها كانت لبست فتخات من ورق وقال -عليه الصلاة والسلام-: (أتؤدين زكاة هذه قالت: لا، فقال: هو حسبك من النار)، هذه الأحاديث ظاهرها هو وجوب الزكاة فمن العلماء من أخذ بظاهر هذه الأحاديث.
وأما جمهور الفقهاء فمنهم من ضعف هذه الأحاديث وبعض المحققين حقق أن هذه الأحاديث كلها أنها لا يصح منها شيء، ولكن بعض العلماء رأوا أن هذه الأحاديث ثابتة من جهة السند وأنها ترتقي إلى درجة الحسن أو الصحيح، ومنهم شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- كان يصحح هذه الأحاديث، هذه الأحاديث- الحقيقة- على تقدير صحتها فيها إشكالات منها:
أولاً: هذه المرأة التي أتت النبي -صلى الله عليه وسلم-، النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أتؤدين زكاة هذه) هل هذا الذهب التي لبسته هذه المرأة هل هو يعادل نصاباً؟ نعرف أن النصاب عشرون مثقالاً، فيبعد أنه يعادل نصاباً، ثم أيضًا هل حال الحول على هذا الحلي الذي بيد المرأة؟! ثم أيضًا المقدار الواجب هو ربع العشر، اثنان ونصف بالمائة ومع ذلك ألقت الذهب كله، هذه إشكالات في الحقيقة.
أيضًا الفتخات التي في يد عائشة ثبت عن عائشة أنها لا ترى وجوب الزكاة في الحلي، وهذا مما يُضعف هذا الحديث، ثم أيضًا هل هذه الفتخات تبلغ نصاباً؟ نصاب الفضة مائتا درهم، خمسمائة وخمس وتسعين جراماً، ثم أيضًا هل حال عليها الحول؟ لأن ظاهر القصة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ما قال لما رآها عليها أول مرة تلبسها، ولو كان مضى عليها سنة لرآها النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك، خاصة أن عائشة -رضي الله عنها- حريصة على حسن التبعل، للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولذلك كانت تؤخر قضاء صوم الفريضة إلى شهر شعبان، من شدة عنايتها وحسن تبعلها للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيبعد جدًا أن تكون عائشة -رضي الله عنها- امتلكت هذه الفتخات من الورق وبقي عندها حولاً كاملاً ثم لم يرها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد مضي الحول.
فهذه إشكالات ترد على مثل هذه الأحاديث ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لو صحت هذه الأحاديث فإنها تحمل على ما حمله عليه الصحابة كما قال الإمام أحمد: «خمسة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يرون زكاة الحلي عاريته»، وهؤلاء الخمسة قلنا: إنهم جابر وأنس وابن عمر وعائشة وأسماء، وقد نقل ذلك عنهم الإمام أحمد -رحمه الله- ولا شك أن الصحابة هم أعلم الناس بشريعة الله وأعلم الناس بدين الله -تعالى- وأعلم الناس أيضاً بمقتضى ومدلول لغة العرب فكونهم يرون أن زكاة الحلي عاريته، لا شك أن هذا الفهم من الصحابة له اعتباره ولا يقال إن هذا فيه تأويل؛ لأن الصحابة أعلم منا بشريعة الله وأعلم منا بمدلول لغة العرب.
ولذلك نقول: لو صحت هذه الأحاديث على ما ذكرناه فيها من إشكالات فإنها تحمل على أن المقصود بالزكاة، بزكاة الحلي عارية هذا الحلي، لاسيما أنه قد وردت نصوص في الوعيد على منع العارية، ومنها قول الله -عز وجل-: ﴿وَيَمْنَعُونَ المَاعُونَ﴿7﴾﴾ [الماعون: 7]، قيل: إنها نزلت في منع إعارة الدلو ونحوه، وكذلك ورد في السنة ما يقتضي الوعيد على منع العارية ولذلك قال -عليه الصلاة والسلام- لما ذكر الوعيد في شأن من كنز الذهب والفضة ولما ذكر الإبل والبقر والغنم، قال:( ومن حقها إعارة دلوه)، وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا في معرض الوعيد، ولهذا ذهب بعض أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى أن العارية تجب مع غناء المالك وحاجة المستعير، فهذا يدل على أن هذه الأحاديث لو صحت فإنها تحمل على أن المقصود بزكاة الحلي فيها عاريته، ولهذا نقول: إن القول الراجح في هذه المسألة- والله تعالى أعلم- هو ما قرره المؤلف -رحمه الله- من أنه لا تجب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال، ولكن الخلاف في هذه المسألة هو في الحقيقة خلاف قوي، ولو أن امرأة أرادت أن تأخذ بالقول الثاني من باب الاحتياط فهذا له وجه، وهذا حسن، ولكن من حيث التحقيق الذي يظهر- والله تعالى أعلم- هو أن الزكاة لا تجب في الحلي المعد للاستعمال، ويؤيد ذلك أن قاعدة الشريعة هي عدم وجوب الزكاة فيما أعد للقنية وفي الاستعمال ولذلك يقول -عليه الصلاة والسلام-: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)، وما كان كذلك معداً للقُنية والاستعمال، ما يستعمله الإنسان من أثاث ومن سيارات وما يسكنه من مسكن، هذا كله لا زكاة فيه، فنجد أن قاعدة الشريعة هي عدم وجوب الزكاة فيما يعد للاستعمال وفيما يعد للقنية، فقول الجمهور يتفق مع هذه القواعد الشرعية، ولهذا فإننا نقول: إن القول الراجح- والله تعالى أعلم- هي عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال.
قال المؤلف: (والعارية) كذلك أيضًا لا تجب الزكاة في الحلي المعد للعارية، قياساً على الحلي المعد للاستعمال.
أما يفهم من كلام المؤلف أن الحلي إذا لم يعد للاستعمال فإنه تجب فيه الزكاة، لو أعده مثلاً للتجارة تجب فيه الزكاة ولذلك نقول مثلاً: محلات الذهب التي تبيع الذهب والفضة، هذه يجب على أصحابها أن يزكوها زكاة عروض التجارة.
قال: (ويباح للنساء كل ما جرت العادة بلبسه من الذهب والفضة) النساء يباح لهن لبس الذهب والفضة كما قال الله -عز وجل-: ﴿أَوَ مَن يُنَشَّأُ فِي الحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ﴿18﴾﴾ [الزخرف: 18]، فالأنثى تنشأ في الحلية وفي طلب الحلية والتحلي والتزين، ولذلك كان من حكمة الشريعة أن أبيح لها التزين بالذهب والفضة، فلا بأس إذن أن تتزين المرأة بالذهب والفضة وهذا بإجماع المسلمين.
وأما بالنسبة للرجال فقد قال المؤلف: (ويباح للرجال من الفضة الخاتم) ومفهوم هذا أن الخاتم لا يباح من الذهب بالنسبة للرجال, إنما يباح الخاتم للرجال من الفضة خاصة، والدليل على ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اتخذ خاتماً من فضة، وكان في أول الأمر اتخذ خاتماً من ذهب فاتخذ الناس خواتم، فنزعه ثم اتخذ خاتماً من فضة -عليه الصلاة والسلام- وهذا يقودنا إلى سؤال وهو: هل التختم بالفضة بالنسبة للرجال هل هو مباح أو مسنون؟ لو قال قائل: أنا أريد أن أقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وألبس خاتماً من فضة، مثلاً أو حتى خاتماً من حديد، يعني أتختم، هل لبس الخاتم من غير الذهب هل هو سنة؟ أم أن نقول: إنه مباح؟ فماذا نقول في الجواب عن ذلك؟
نقول: إنه مباح
مباح، لو قال قائل: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لبس الخاتم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]؟
قد يكون هذا من التأسي، والتأسي قد يختلف
طيب، نستمع جواباً آخر. نعم تفضل. لبس الخاتم بالنسبة للرجال, هل هو مباح أم أنه مسنون؟
هو في الحقيقة دائر بين الإباحة وبين الاستحباب، والذي يظهر- والله أعلم- وهو قول وسط، هو أنه إذا كان الرجل يحتاج التختم كأن يكون مثلاً قاضياً ويحتاج إلى خاتم وينقش عليه اسمه ونحو ذلك فإنه يكون في حقه مستحباً، أما إذا كان لا يحتاج التختم فإنه يكون مباحاً؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما لبس الخاتم لحاجته إليه، ولهذا جاء في صحيح البخاري: (أنه جعل فصه في باطن كفه)، حتى يبين أنه ما لبس الخاتم لأجل التزين، ولكن اتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- لبس خاتماً واتخذ الختم لما قيل له: إن ملوك ورؤساء العالم لا يقبلون كتباً إلا مختومة فاتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- خاتماً ونقش عليه محمد رسول الله. فهو -عليه الصلاة والسلام- إنما لبس الخاتم للحاجة ولذلك نقول: من احتاج إلى لبس الخاتم من الرجال فيكون لبس الخاتم في حقه مسنوناً, أما من لم يحتج إليه, ليس بحاجة إلى لبس الخاتم وإنما يريد أن يلبس الخاتم فقط للتزين, فإنه يكون في حقه مباحاً، هذا هو أحسن ما قيل في هذه المسألة.
ثم قال -رحمه الله-: (وحلية السيف) يعني: يجوز أن يحلى السيف بالفضة، وقد كان سيف النبي -صلى الله عليه وسلم- محلىً بالفضة، وكذلك أيضًا قال: (والمنطقة)، والمنطقة: هي ما يشد به وسط الإنسان، فيباح تحليتها بالفضة، ونحوها، يعني: من الفضة اليسيرة.
(فأما المعد للكرى أو الادخار والمحرم ففيه الزكاة) المعد أولاً للتجارة قلنا: هذا باتفاق العلماء فيه الزكاة.
أيضًا المعد للكرى ما معنى الكرى؟
التأجير
التأجير, نعم. معنى الكرى: التأجير، يعني: معد للتأجير، لو أن أحداً اتخذ حلياً من ذهب أو فضة ويؤجره الناس، فهنا تجب فيه الزكاة، وكذلك أيضًا الادخار لو أن أحداً أراد أن يجعل هذا الذهب أو الفضة رأس مال له، يعني يقول: بدلاً من أن يكون رصيدي أوراقاً نقدية أجعل رصيدي ذهباً، فجعله رأس مال إذا احتاج إليه باعه واستفاد من قيمته فهذا فيه الزكاة, إذن: المعد للكرى أو المعد للادخار تجب فيه الزكاة.
وكذلك أيضًا (المحرم) كذلك إذا كان محرماً فإنه أيضًا تجب فيه الزكاة ولهذا قلنا: إن الحلي الذي تستعمله المرأة لا تجب فيه الزكاة إذا كان مباحاً أما إذا كان محرماً فإنه تجب فيه الزكاة، إذن الحلي الذي تجب فيه الزكاة وهو ما أعد للتجارة أو للكرى أو الادخار أو كان محرماً. أما إذا كان تستعمله النساء فإنه على الخلاف الذي ذكرنا. وذكرنا أن الأظهر والأقرب- والله أعلم- هو قول جمهور الفقهاء وهو أنه لا تجب فيه الزكاة، هذا هو حاصل كلام الفقهاء في هذه المسائل وفي هذا الباب.
بالنسبة- يا شيخ- لزكاة الحلي المعد للاستعمال، ما هو ضابط الاستعمال؟ يعني: متى نقول: إن هذا الحلي مستعملاً؟
الضابط في ذلك نرجعه للعرف، يعني: إذا كان في عرف الناس أن هذه المرأة تعد مستعملة لهذا الحلي تلبسه مثلاً في المناسبات تلبسه من حين لآخر تلبسه لتتزين به لزوجها، هذا يعد مستعملاً، لكن إذا كان مدخراً جعله الإنسان لأجل أن يكون رأس مال له، يبيعه إذا احتاج إليه فهذا ليس مستعملاً وإنما هو مدخر وتجب فيه الزكاة.
إجابات أسئلة الدرس الماضي:
الأخت الكريمة من العراق تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السؤال الأول: كان عن النباتات التي اختلف فيها العلماء كالتين مثلاً، تقول: اختلفوا على قولين:
القول الأول: وهو المشهور عند مذهب الحنابلة قالوا: إن التين لا تجب فيه الزكاة.
أما القول الثاني: قالوا: إن التين تجب فيه الزكاة وقد اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ورجح ذلك الحافظ ابن عبد البر -رحمه الله- وهو الصحيح؛ لأنه يمكن تشوينه وادخاره وأيضًا تجب الزكاة في الزيتون وقد اختار أيضاً شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-؛ لأن الزيتون مكيل أشبه بالسمسم، والقاعدة في الزكاة في الحبوب والثمار هي: أنه تجب الزكاة في الحبوب كلها، وفيما يكال ويدخر من الثمار، أما بالنسبة للتفاح لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه من الفواكه التي لا تجب فيها الزكاة، وأما البطيخ فإنه لا تجب فيه الزكاة لما روى الدارقطني -رحمه الله تعالى- عن الإمام علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه: (ليس في الخضروات صدقة).
بالنسبة للسؤال الثاني: تقول: نصاب الزكاة في الحبوب والثمار قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس في حب ولا ثمر صدقة، حتى يبلغ خمسة أوسق)، والوسق ستون صاعاً، أي: نضرب خمسة في ستين وتساوي ثلاثمائة، والتي تعادل بالكيلوجرام تقول: ستمائة واثنى عشر، وقد قال هذا التقدير الشيخ: محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله تعالى-، هذا والله أعلم. تعليقكم يا شيخ
نعم، هذا إجابة جيدة الحقيقة, نموذجية نشكر الأخت السائلة على حسن متابعتها.
الحقيقة: مثل هذه الإجابات تدل على حسن متابعة من الإخوة المشاهدين.
أشكر جميع الإخوة والأخوات المجيبين على هذا السؤال وأعود مرة أخرى إلى شيخن
نعم، وأنا أود –حقيقة- أن أقترح على الإخوة في إدارة القناة العلمية أن يضعوا حوافز للإخوة المجيبين وتوضع قرعة مثلاً ويوضع حافز, على الأقل شهادة أو جائزة رمزية أو شيء من هذا القبيل؛ لأن هذ الإجابات- حقيقة- تدل على حسن المتابعة والاهتمام والعناية.
جزاك الله خيراً يا شيخ، وتواصلهم معنا- حقيقة- في الفصل الماضي وفي بداية هذا الفصل كان بنفس الطريقة... نبدأ في الباب؟
باب حكم الدين
باب حكم الدين، قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (ومن كان له دين على مليء أو مال يمكن خلاصه كالمجحود الذي له به بينة والمغصوب الذي يتمكن من أخذه فعليه زكاته إذا قبضه لما مضى وإن كان متعذراً كالدين على المفلس أو على جاحد ولا بينة له به، والمغصوب والضالّ الذي لا يرجى وجوده فلا زكاة فيه، وحكم الصداق حكم الدين ومن كان عليه دين يستغرق النصاب الذي معه أو ينقصه، فلا زكاة عليه فيه).
عقد المؤلف -رحمه الله- باباً لحكم الدين من حيث حكم الزكاة أو أحكام الزكاة وإلا فإن أحكام الدين كثيرة لكن أراد المؤلف ما يختص بالزكاة من أحكام متعلقة بالدين، المؤلف -رحمه الله- قَسَّمَ المدين إلى قسمين: مليء، ومعسر، سماه مفلساً، وهذه المسألة مسألة حكم الزكاة في الدين من المسائل التي لم يرد فيها نص قد بحثها مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي ودرسوا هذه المسألة دراسة وافية، وأصدروا فيها قراراً، وهو أنه لم يرد في زكاة الدين نص، ومن هنا كانت محلاً للاجتهاد، وسبب الخلاف في هذه المسألة: هو هل يعامل الدين معاملة المال الموجود الذي يملكه الإنسان أو أنه لا يعامل كذلك، فإذا اعتبرنا الدين كالمال الموجود المملوك للإنسان قلنا: تجب فيه الزكاة مطلقاً، وإذا قلنا: إنه ليس كذلك قلنا: لا تجب فيه الزكاة مطلقاً.
والحق أن في المسألة تفصيلاً:
- فإذا كان الدين الذي لك على إنسان مليء باذل متى ما طلبت دينك أعطاك إياه، فهذا في حكم المال الموجود عندك، ولذلك تجب فيه الزكاة كل عام.
- وأما إذا كان الدين على معسر، أوعلى مليء لكنه مماطل، فإن بعض المدينين أغنياء لكنهم أسوأ من المعسرين؛ لأنهم يماطلون في الوفاء. إذن: إذا كان الدين على معسر أو على مماطل، فإنه لا زكاة فيه.
وهذا التفصيل هو الذي قرره المجمع الفقهي وقرره المؤلف -رحمه الله- هنا أيضاً وهو الأقرب- والله تعالى أعلم- في هذه المسألة, فإذا كان الدين على مليء باذل ففيه الزكاة كل عام، يعني: إذا كان لك دين على رجل وهذا الرجل مليء باذل متى ما طلبت دينك أعطاك إياه، فيجب عليك أن تزكيه عن كل سنة، أما إذا كان الدين على معسر، أو على مماطل فلا زكاة فيه، ولكن إذا قبضته تستأنف به حولاً جديداً، وهذا هو الذي قرره المجمع الفقه الإسلامي وهو أيضاً اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- وهو القول الوسط بين الأقوال في هذه المسألة.
ومن العلماء من قال: إذا كان على معسر أو مماطل فإنك تزكيه عن سنة واحدة، وهذا القول- الحقيقة- يرد عليه ما يرد، إذ أنه كيف يزكي عن سنة واحدة، إما أن نقول: تجب فيه الزكاة، أو نقول: لا تجب فيه، إما أن نقول: إنه في حكم المال الموجود عندك المملوك لك، أو نقول: إنه ليس كذلك، أما أن نقول: يزكى عن سنة واحدة، فالذي يظهر أن هذا قول مرجوح، والأظهر- والله تعالى أعلم- هو أنه إذا كان على معسر أو مماطل فهذا ليس في حكم المال الموجود عندك ولو طلبته من صاحبه لما أعطاك إياه، والزكاة إنما وجبت على سبيل المواساة، فكيف نوجب على هذا الشخص الذي له دين على معسر وعلى مماطل نوجب عليه الزكاة ولو عن سنة واحدة، الزكاة إنما وجبت على سبيل المواساة، فكيف نوجب الزكاة على هذا الإنسان والذي لا يدري هل يعود له ماله أو لا يعود، مع أنه ربما لا يعود- في أغلب الظن-؛ لكونه على معسر أو على مماطل، لكن من قال: إنه تجب عليه السنة يعني: يزكي عن سنة واحدة، قال: إذا قبضه فيزكيه عن سنة واحدة، لكن الأظهر هو ما ذكرت، وهو ما قرره المؤلف وأيضاً قرره المجمع الفقهي، وهو قول وسط بين الأقوال التي قيلت في هذه المسألة.
قال المؤلف -رحمه الله-: (من كان له دين على مليء أو مال يمكن خلاصه، كالمجحود الذي به بينة)، إذن: قاس المؤلف على الدين الذي على مليء ما إذا كان هذا الدين مجحوداً، لكن لك بينة، تطلب شخصاً دينًا ثم جحد قال: ما لك عندي شيء. لكن عندك أوراق وعندك شهود وعندك بينة، عندك شاهدان أو أكثر، وعندك بينة كافية وتثق من أنه سيقضى لك بهذا الدين، وسيصل إليك فهذا في حكم الدين على مليء، أيضاً قال: ( المغصوب الذي يتمكن من أخذه)، لقوة نفوذه وقوة سلطانه فيتمكن من أخذه من غاصبه، هذا أيضاً حكمه حكم الدين على مليء.
قال: (فعليه زكاته إذا قبضه لما مضى)، يعني: في هذه الصور الثلاث، وإن كان الدين على مليء باذل أو كان الدين على مجحود يمكن خلاصه منه، له بهذا المال بينة أو كان مغصوباً، يتمكن من أخذه من غاصبه، هنا متى تجب زكاته؟ تجب زكاته إذا قبضه؛ لما مضى، ويفهم من كلام المؤلف أنه لا تجب الزكاة إذا لم يقبضه، ولهذا نقول: إذا كان لك دين على مليء نفترض أنك تطلب زيداً من الناس عشرة آلاف ريال، وتعرف أن زيداً هذا إنسان مليء باذل متى طلبت منه هذا الدين فإنه سوف يرده عليك، فنقول: هذا تجب فيه الزكاة لكن لا يلزمك إخراج الزكاة إلا إذا قبضته، فلو أن زيداً لم يرد عليك الدين إلا بعد ثلاث سنوات، لا يلزمك إخراج الزكاة إلا بعد ثلاث سنوات، فإذا قبضته بعد ثلاث سنوات تزكيه عما مضى من السنوات الثلاث، فإن قلت: هل لي أن أزكي كل سنة، ولو لم أقبضه؟ نقول: نعم، بل إن هذا هو الأفضل وهو الأكمل أن تزكي كل سنة، أنت تطلب زيداً من الناس عشرة آلاف ريال، وزيد هذا مليء باذل، الأفضل أن تزكيه كل سنة ولو لم تقبضه، ولكن من حيث الوجوب لا يجب عليك أن تزكيه حتى تقبضه، فإذا قبضته زكيته عن السنوات الماضية كلها، هذا معنى كلام المؤلف -رحمه الله-.
قال: (وإن كان متعذراً كالدين على مفلس أو على جاحد ولا بينة به، والمغصوب والضال الذي لا يرجى وجوده فلا زكاة فيه) قلنا: إن الدين إذا كان على معسر أو على مفلس أو على مماطل أو على جاحد ولا بينة به، إنسان تطلبه عشرة آلاف ريال، قلت: يا فلان أنا أطلبك عشرة آلاف ريال قال: من قال: إنك تطلبني؟ ما لك عندي شيء. جحد الدين الذي لك عليه، وليس لك عليه بينة، ليس هناك شهود, ليس هناك أوراق ثبوتية ليس هناك أي بينة، فلو قاضيته عند الحاكم، وتعرف أن هذا سوف يحلف، إذا طلب في اليمين فسوف يحلف وبالتالي سوف يقضى عليك؛ لأن القاضي سوف يطلب البينة من المدعي واليمين على من أنكر، ولا بينة لك، فهذا حكمه حكم الدين على المعسر، فلا زكاة فيه، وهكذا أيضاً لو كان مغصوباً ولا تستطيع أخذه من غاصبه، فحكمه أيضاً حكم الدين على معسر، وهكذا الضال الذي لا يرجى وجوده، يعني: المال الضائع الذي لا يرجى وجوده، أيضاً لا زكاة فيه، وهكذا أيضاً نقول: في الوقت الحاضر المساهمات المتعثرة التي يغلب على ظن أصحابها أنها لا تعود إليهم هذا حكمه حكم الدين على معسر، فإن بعض الإخوة لهم مساهمات قد تعثرت وقد أيسوا من أن ترجع إليهم، فهؤلاء نقول لهم: لا زكاة عليكم، ولو حصلت لكم بعد ذلك، ما دام أنكم الآن قد آيستم من حصولها وغلب على ظنكم أنها لا تعود لكم، فليس فيها زكاة حتى ولو تيسرت لكم فيما بعد، لكن لو أنكم مثلاً خلال خمس سنوات آيستم من عودتها لكن بعد ذلك جدت أمور وحدثت أحداث رجوتم أن تعود لكم خلال السنة المقبلة، وبالفعل عادت لكم فتزكون عن سنة واحدة، يعني: هذه المسائل تعود إلى هذه المسألة التي ذكرناها في الدين، وهي أن المال الذي ترجو حصوله حكمه حكم المال الموجود عندك فتزكي عن كل سنة، أما إذا كنت لا ترجو حصول هذا المال فحكمه حكم الدين على معسر، هذا لا زكاة فيه.
ثم قال -رحمه الله-: (وحكم الصداق حكم الدين) الصداق: هو المهر، مهر المرأة، ويجب على الزوج أن يُمْهِر المرأة, يلتمس ولو خاتماً من حديد، ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: 24]، وهذا الصداق لا يلزم أن يكون مقدماً، بل يجوز أن يكون مؤخراً، يعني: يعقد العقد ولا يسمي الصداق، يجوز هذا، ويجوز أن يعقد العقد ويسمي الصداق ويؤجله، يكون مؤخراً، ويجوز أن يكون بعضه مقدماً وبعضه مؤخراً كل هذا جائز، ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]، كل هذا جائز وله أحكام، يعني: كل مسألة لها حكم يخصها، لكن المقصود أن الصداق أو المهر يجوز تأجيله ويجوز تأخيره، فلنفترض أن امرأة صداقها مؤجل، عقد عليها هذا الزوج على أن يعطيها المهر مثلاً بعد سنة من الزواج أو بعد سنتين فالآن هذه المرأة تستحق في ذمة زوجها مهراً، ولنفترض أن هذا المهر مثلاً ثلاثون ألف ريال، تستحق في ذمة زوجها مهراً، ففي الحقيقة هذا المهر يعتبر ديناً، يقول المؤلف: إن هذا الصداق حكمه حكم الدين تمامًا فنقول:
- إذا كان هذا الزوج مليئاً باذلاً، متى ما طلبت المرأة منه هذا الصداق أعطاها إياه، فيجب على الزوجة أن تزكيه عن كل سنة.
- إذا كان هذا الزوج معسراً، أو مماطلاً فلا زكاة فيه.
فيكون إذن حكم الصداق، حكم الدين تمامًا، على التفصيل الذي ذكرناه.
قال: (ومن كان عليه دين يستغرق النصاب الذي معه أو ينقصه، فلا زكاة فيه)، هذا إنسان عنده عشرة آلاف ريال، وعليه دين قدره عشرة آلاف ريال، فهل عليه زكاة وحال على العشرة آلاف التي عنده حال عليها الحول؟ فهل عليها زكاة، يقول المؤلف: ( فلا زكاة فيه)، إذا (كان عليه دين يستغرق النصاب) كما في مثالنا هذا، (أو ينقصه) ينقص من النصاب، يعني: مثلاً عنده عشرة آلاف ريال، وعليه دين قدر مثلاً تسعة آلاف وخمسمائة ريال، أو تسعة آلاف وثمانمائة ريال، فهنا يقول المؤلف: إنه لا زكاة عليه في هذه الحال، إذا كان الدين الذي عليه يستغرق النصاب أو ينقصه فلا زكاة عليه بل ربما يكون عند الإنسان مثلاً عشرة آلاف ريال وعليه ديون كثيرة عليه دين مقداره مائة ألف أو مائتي ألف أو أكثر من ذلك، أحياناً بعض الناس يكون غريقاً في الديون، لكن يتوفر عنده مال يحول عليه الحول فهل تجب فيه الزكاة أو لا تجب، هذه مسألة اختلف فيها العلماء:
المؤلف: يرى أنه لا تجب فيها الزكاة في هذه الحال وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
والقول الثاني في هذه المسالة: أن فيه الزكاة، وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة- والله تعالى أعلم- وهو اختيار شيخنا عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن عثيمين- رحمة الله تعالى على الجميع- وذلك:
- لعموم الأدلة الموجبة للزكاة من غير تفريق، وبين من عليه دين وبين من ليس عليه دين.
- وأيضًا لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث العمال والسعاة، لقبض الزكوات من أربابها ولم يأمرهم أن يسألوا أرباب الأموال هل عليهم ديون أم لا؟ مع أن الغالب أنهم في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- أنهم أصحاب حاجة، وأنهم لا يخلو أرباب الأموال من ديون تلحق بهم، ومع ذلك كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر عماله بأن يقبضوا الزكوات من أربابها، ولا يأمرهم أن يسألوا أرباب الأموال هل عليهم ديون أم لا؟ فدل ذلك على أن الدين لا يؤثر على وجوب الزكاة في المال الذي عند الإنسان وحال عليه الحول.
- وأيضًا الزكاة تتعلق بالمال، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، ولم يقل: خذ منهم، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: (أعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم)، فالزكاة إذن تجب في المال وتتعلق بالمال، بينما الدين متعلق بالذمة.
ولهذا لو أن هذا المال الذي عنده- في مثالنا هذا- عشرة آلاف ريال، نفترض أنها تلفت، فإن الدين الذي عليه لا يسقط، فلا تعلق للدين الذي في ذمته بهذا المال الذي يملكه فالجهة إذن منفكة؛ ولهذا نقول: إنه إذا حال الحول على هذا المال الذي يملكه فتجب فيه الزكاة ولو كان عليه ديون، بل لو كانت الديون حتى أكثر من هذا المال الذي يملكه ففي مثالنا السابق: لو كان عنده عشرة آلاف ريال وحال عليها الحول وعليه دين مقداره مائة ألف ريال فنقول: يجب عليك أن تزكي العشرة آلاف ريال هذه؛ لأن الزكاة تعلقت بها، ولذلك لو تلفت العشرة آلاف ريال، لن يسقط الدين الذي في ذمتك، فإذن: الزكاة تجب في هذه العشرة آلاف ريال؛ الزكاة تتعلق بالمال بغض النظر عن ذمة هذا المدين هل عليه ديون أم لا؟ هذا هو القول الراجح في هذه المسألة- والله تعالى أعلم- وبهذا نكون قد خالفنا المؤلف في هذه المسألة؛ المؤلف يرى أنه من كان عليه دين يستغرق النصاب أو ينقصه فلا زكاة فيه، ونحن قلنا: إن القول الراجح في هذه المسألة- والله تعالى أعلم- هو أن فيه الزكاة لعموم الأدلة ولما ذكرنا من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أنه كان يبعث العمال ولا يأمرهم أن يسألوا أرباب الأموال هل عليهم زكوات أم لا؟ وما ذكرناه أيضاً من التعليل وهو أن الزكاة إنما تتعلق بالمال، بينما الدين يتعلق بالذمة، طيب بهذا نكون قد انتهينا أيضاً من أحكام ومسائل هذا الباب.
الأخ الكريم من السعودية: يسأل عن أفضل كتاب يبين المقادير الشرعية القديمة ومقارنتها بالمقادير الحالية؟
نعم يوجد في المكتبات بعض الكتب المعنية بهذه المقاييس وتحويلها لمقاييس معاصرة، وأذكر في هذا كتاباً لأحد الباحثين يحضرني اسمه الأخير: كذا كردي، له كتاب جيد في هذا، أيضاً الدكتور/ يوسف القرضاوي أيضاً ذكر في كتابه فقه الزكاة بعض التحويلات بالمقاييس المعاصرة لأنصبة الزكاة. أيضاً هناك بحث للشيخ/ عبد الله بن منيع في المقاييس المعاصرة، المكتبة الإسلامية لا تخلو من كتب ومن بحوث في هذا.
الأخت الكريمة تقول: متى تجب زكاة الأثمان؟
هذا شرحناه في باب كامل، وقلنا: إن زكاة الأثمان مثل الذهب والفضة تجب إذا كانت معدة للتجارة أو معدة للكرى، أو معدة للادخار، وقلنا: إذا كان معدة للاستعمال فإنه لا زكاة فيه على القول الراجح، هذا كله شرحناه في باب زكاة الأثمان.
الأخ الكريم من السعودية يقول: هل تجب الزكاة في الذهب أو الفضة المستخدمة في جسم الإنسان كالأسنان والأنف وبعض العظام؟
نعم الذهب الذي يكون أولاً في جسم الإنسان يعني لا يبلغ نصاباً هو ذهب يسير يعني الذهب الذي يكون في السن لا.. هو ذهب يسير، وليس للرجال أولاً اتخاذ مثل هذه الأسنان المذهبة كان العلماء في السابق لما كانت الضرورة تدعو إليها كانوا يفتون بجواز ذلك للضرورة، ولكن وجد في الوقت الحاضر البديل عنها، لكن على كل حال الذهب اليسير اختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه يباح الذهب اليسير، فما يكون مثلاً في مثل ما ذكره الأخ السائل في جسم الإنسان مما تدعو إليه الضرورة هذا لا زكاة فيه، أولاً: لأنه لا يبلغ نصاباً، ثم أيضاً ليس معداً للتجارة، هو مستخدم أيضاً.
الأخ الكريم يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: عندي سؤالان:
السؤال الأول: في الدرس الحالي وهو ما يتعلق بزكاة المال الضال الذي لا يرجى رجوعه، فقد أفاد الشيخ أنه ليس عليه زكاة، إلا في حين عودته، على هذا المقياس عندي أرض اشتريتها من وضع يد، رجل وضع يده من بعض الأفراد، وهذه الأراضي ملكٌ للدولة أصلاً والدولة تصرُّفُها شيءٌ من أمرين: أما تعيد بيعها له؟ إما لا تبيعها؟ والأمر بين الاثنين يا هذا أو هذا؟ وهذا يأخذ سنين؟ فما حكمها؟ هل أخرج عنها زكاتها سنوياً، أم عند تمليكها لي بمعرفة الدولة؟
لكن الذي غلب على ظنك أنها تحصل لك الأرض أو لا تحصل؟
في الوقت الحالي لا تحصل
يغلب على ظنك هذا؟
نعم، ولكن هناك بعض العهود لأنها ترجع إلى رؤساء الدول، فسمعنا كلاماً اليوم لعله خير، لكن تأكيده في علم الله؟
سؤالي الآخر: في درس العصر وهو الفرق بين العنب والزبيب؟ فالزبيب يمكن كيله وحفظه لكن العنب لا يمكن كيله وحفظه بسهولة؟ فهل يُخرج عن العنب زكاة؟ أم يخرج عن الجزء الذي يمكن تجفيفه وحفظه فقط؟
سؤال الأخ الكريم يا شيخ عن الأرض التي اشتراها من أملاك الدولة؟
نعم. أنا سألته قلت: هل ترجو حصول هذه الأرض؟ قال: إنني لا أرجو حصولها في الوقت الحاضر. وبناءً على ذلك لا زكاة فيها، لكن لو قدر أنه أصبح في وقت من الأوقات يرجو حصولها ومضى على هذا السنة ثم فعلاً حصل عليها فيزكي عن سنة، لكن لو استمر الوضع على ما هو عليه وهو أنه لا يرجو حصولها، ثم حصلت فجأة فهذه لا زكاة فيها لكن لو أنه مثلاً كان لا يرجو حصولها ثم بعد ذلك قالوا: إنك ستحصل عليها فعلاً واحتاج الأمر إلى أوراق واحتاج إلى متابعة ومضى على هذا سنة، فيزكيها، فإذاً العبرة بكون هذه الأرض هل هي مرجوة الحصول أم لا؟ ما دام أنه لا يرجو الحصول على هذه الأرض فهذه ليس فيها زكاة، إذا أصبح يرجو حصولها ومضى على ذلك سنة فهنا يزكيها.
يتساءل يا شيخ عن زكاة العنب والزبيب؟
نحن ذكرنا في درس العصر أن ما يكال ويدخر من الثمار تجب فيه الزكاة وذكرنا لهذا أمثلة وكان مما ذكرناه العنب, وقلنا: إن العنب إذا جفف يصبح زبيباً ولذلك يعتبر مما يدخر والأخ الكريم يقول: إنه يمكن أن يدخر ويمكن ألا يدخر وهذا صحيح، ولهذا وقع الخلاف أيضاً بين الفقهاء في زكاة العنب، من الفقهاء من قال: إنه إذا لم يمكن ادخاره فلا زكاة فيه، ومنهم من قال: إذا نظرنا إلى أن العنب يمكن ادخاره فهذا بحد ذاته كافٍ للقول بوجوب الزكاة فيه فهو كالتين مثلاً وكالتمر مثلاً التمر يمكن أن يؤكل رطباً، ويمكن ادخاره وهذا هو القول الأقرب- والله تعالى أعلم- العنب تجب فيه الزكاة مطلقاً سواء كان جفف زبيباً أو لم يجفف؛ لأنه حتى وإن لم يجفف يمكن ادخاره فهذه الإمكانية بحد ذاتها تقتضي أن نقول: إنه تجب الزكاة في العنب وهذا هو الذي عليه عمل أكثر المسلمين يخرجون الزكاة على العنب، وقد ورد في هذا أيضاً شيء من الآثار.
الأخ الكريم من السعودية يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذا كان لي دين على مليء باذل وزكيته قبل أن آخذه أهذا صحيح؟
السؤال الثاني: ما معنى قولك الذهب إذا كان محرماً تجب فيه الزكاة؟
الأخ الكريم يقول: بالنسبة للمرتب الشهري للموظف، ما حكم الزكاة فيه؟ خصوصاً أنه من الأمور الاستهلاكية ما حكم الزكاة فيه؟
الأخ الكريم يسأل: السؤال الأول: أنا كأني ما فهمته؟
نعم، هو يقول له هل أُخرج الزكاة إذا كان لي دين على مليء، هل أخرجها قبل قبض الدين؟
نقول: هذا هو الأفضل، الأفضل أن تزكي هذا الدين الذي لك على مليء عن كل سنة، ولو لم تقبضه لكن من حيث الوجوب لا يجب عليك أن تخرج زكاة الدين حتى تقبضه؛ لأن الزكاة مبناها على المواساة، فلا يجب عليك أن تزكيه وأنت لم تقبضه بعد، لكن إذا قبضت تزكيه عن السنوات الماضية كلها، مثال ذلك: رجل يطلب زيداً من الناس عشرة آلاف ريال، وبقيت عند زيد ثلاث سنين، قبضها بعد ثلاث سنين يزكيها عن الثلاث سنوات الماضية كلها، فهذا بالنسبة للزكاة إذا كان لك دين على مليء.
يسأل عن قول المصنف: (والمحرم لا تجب فيه الزكاة)؟
نعم. المحرم يعني: إذا كان الذهب الذي عندك ذهباً محرماً، لا يباح لك استعماله كأن يكون عند رجل خواتم ذهب هذا محرم بالنسبة له، لا يباح له أن يلبس هذه الخواتم، لكن لو افترض أن رجلاً خالف في هذا، وكان يلبس الذهب المحرم عليه فهذا تجب فيه الزكاة ولا نقول: إنه يستخدم فلا تجب فيه الزكاة، فهذا نص الفقهاء على أنه تجب فيه الزكاة.
الأخ الكريم يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: رجل استدان مالاً فتح به محل تجارة وهذا المال يبلغ النصاب فهل يجب عليه أن يزكي زكاة عروض التجارة إذا حال الحول عليه؟
نعم، وهذا -إن شاء الله تعالى- سوف نشرحه في الدرس القادم، ما دام أن هذا المال اشترى به عروض تجارة فالحول لم ينقطع في الحقيقة يعني: نفترض أن هذا الرجل عنده مائة ألف ريال مضى عليه ستة أشهر ثم اشترى بها سلعاً عروضاً للتجارة، يجب عليه أن يزكيها بعد ستة أشهر، ولا يقول: استأنف حولاً جديداً؛ لأن زكاة عروض التجارة إنما تجب في قيمتها، ولا تجب في أعيانها إنما تجب في القيمة، فلذلك نقول: إن عليه أن يزكيها بعدما تكمل الحول مع المبلغ النقدي الذي اشترى به هذه العروض، كما مثلنا في مثالنا، يعني: هذا الرجل عنده مبلغ نقدي مائة ألف ريال بقيت عنده ستة أشهر ثم اشترى بها سلعاً أو عروضاً فإنه يجب عليه أن يزكيها بعد ستة أشهر، ولا يبدأ حولاً جديداً.
يتساءل أيضاً يا شيخ عن الموظف الذي يصرف راتبه الشهري كاملاً قبل أن يصل الشهر التالي يقول: هل على مثل هذا الموظف أن يزكي مقدار راتبه السنوي؟
هو زكاة الراتب الشهري حقيقة يكثر السؤال عنها، وكنا قد أجبنا عن شيء شبيه بهذا في درس الأمس، لكن لا بأس أن نعيد هنا لكثرة الأسئلة ولأن هذه المسألة يحتاج إليها أكثر الناس:
أولاً: إذا كان الموظف ينفق جميع مرتبه الشهري بحيث لا يبقى عنده منه آخر الشهر شيء، كما ذكر أخي السائل هذا لا زكاة عليه لأنه لم يحل عليه الحول، هذا يأتيه الراتب وفي آخر الشهر لا يبقى عنده شيء، إذن: لا زكاة عليه، لكن كلامنا فيمن يدخر جزءًا من الراتب، يدخر مثلاً ربع الراتب نصف الراتب، ثلاثة أرباع الراتب، يدخره فهنا لا شك أنه لا تجب عليه الزكاة إذا حال عليه الحول، ولكن كيف يزكي هذا الراتب نقول: لك طريقتان:
الطريقة الأولى: أن تتولى الإحصاء والضبط الدقيق لما يدخل وما يخرج، فما يحول عليه الحول من هذا الراتب تزكيه وما أنفقته لا زكاة فيه، وهذه الطريقة قد يكون فيها شيء من العسر؛ لأنها تحتاج إلى متابعة وتحتاج إلى ضبط، لكن بعض الناس ربما يرغب في هذه الطريقة حتى يعرف ما الذي يجب وما الذي لا يجب عليه من الزكاة.
الطريقة الثانية: وهي أيسر وأحوط وأضبط أيضاً، وهي أنك تحدد لك تاريخاً معيناً في السنة ولنفترض مثلاً نقول: منتصف شهر رمضان من كل عام، وتنظر في رصيدك كم عندك من هذا الراتب وتزكيه، جميعه سواءً حال عليه الحول أو لم يحل عليه الحول, ما حال عليه الحول أمره ظاهر ما لم يحل عليه الحول تخرج زكاته من باب تعجيل الزكاة، وتعجيل الزكاة جائز، وقد تعجل النبي -صلى الله عليه وسلم- زكاة عمه العباس بسنتين، فتعجيل الزكاة جائز، وبهذا لا تنظر للمال الذي عندك إلا مرة واحدة في السنة، فكل خمسة عشر من رمضان تنظر كم عندك من هذا الراتب فتزكيه, وهكذا أيضاً بالنسبة لعروض التجارة، تنظر كم عندك في هذا المحل في هذا التاريخ، وتزكيه وهنا قد تخرج زكاة أكثر من القدر الواجب، ولكن لا حرج في هذا، يعني: ما أخرجت زكاته وهو لم يحل عليه الحول يعتبر من الصدقة التي تؤجر وتثاب عليها ويرجى أيضاً أن تثاب عليها ثواب الزكاة، فلا حرج في مثل الزيادة يعني: لو كانت الزكاة مثلاً ألف ريال، أخرجت ألف ومائتي ريال، لا بأس بهذا والزيادة تعتبر صدقة لك، وتؤجر وتثاب عليها, فالطريقة الثانية هي أسهل وأضبط وأحوط؛ لأنك لا تنظر في مالك إلا مرة واحدة في السنة، وتستطيع أن تحصي جميع المال الذي عندك وتخرج زكاته، إحصاءً دقيقاً، وكذلك هي أحوط؛ لأنك إذا سلكت الطريقة الأولى ربما يكون هناك مال لم تزكه، حال عليه الحول ولم تزكه؛ لأنه مع كثرة ما يدخل وما يخرج ربما يقع الخطأ في هذا، ولهذا فإن الطريقة الثانية كما قلنا هي أضبط وأحوط في هذا.
الأخ الكريم من عمان يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: مَرَّ علينا في الدرس مسألة زكاة المعسر والمليء المماطل وذكرتم أنه يزكي متى قبضه الإنسان، وذكرتم أيضاً أنه يستأنف فيه حولاً جديداً وأيضًا مر علينا في المتن، أنه إذا كان عليه زكاة المغصوب والمجحود وكذا أنه يزكيه إذا قبضه، لكن يا شيخ أردنا أن نعرف الفرق بين مسألة الاستئناف في زكاة الدين وإخراج الزكاة إذا مر عليه حول جديد؟ يعني: عند الاستلام يزكيه زكاة حول كامل؟
نعم. هو المغصوب والدين على معسر حكمه واحد، يعني: إذا قبضه فإنه يستأنف به حولاً جديداً، لا يزكيه عما مضى، إن أراد أن يزكيه احتياطاً هذا شيء آخر، لكن من حيث الوجوب لا يجب عليه أن يزكيه على القول الصحيح الذي قرأه المؤلف وأقول له: القول الراجح، يستأنف به حولاً جديداً المال غير المرجو حصوله كالدين الذي على معسر أو على مماطل أو مغصوب أو مجحود ولا بينة به، هذا كله قلنا: لا تجب الزكاة فيه، فإذا قبض وقدر أنه قبضه يوماً من الدهر استأنف به حولاً جديداً.
الأخ الكريم من السعودية يقول: هناك سؤالان للشيخ:
أولاً: في نِصَاب الخارج من الأرض الذي هو خمسة أوسق، المذكور في الحديث، لكن الفقهاء يقدرون النصاب بالأرطال والأرطال معروفة أنها ليست مكيلة وإنما هي موزونة، ووحدات وزن فكيف يقدم الوزن مع أن الحديث ورد بالكيل؟
ثانيًا: بعض العلماء يحد حداً معيناً مثلاً يقول: إن النصاب، مثلاً ستمائة وعشرين أو ستمائة واثنى عشر كيلو وهذا يختلف طبعًا، التمر قد يكون نصابه ستمائة وعشرين مثلاً، الشعير ستمائة وخمسين مثلاً وهكذا؟
الأخت الكريمة من الإمارات تقول: هل يعد الالتزام بدفع زكاة الحلي المعد للاستخدام تعنتاً أم يجوز: بارك الله فيكم
لا.. ليس تعنتاً، وإنما هو من قبيل الورع والاحتياط؛ لأن الخلاف في هذه المسألة أيضاً خلاف قوي والقول بوجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال قول قوي ليس قولاً ضعيفاً، ويكفي أنه اختيار سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين- رحمهما الله- وهما من هما في العلم وفي التحقيق لكن كل يؤخذ من قوله ويرد، فلا شك الخلاف في هذه المسألة خلاف قوي بين الفقهاء ولذلك من أرادت أن تحتاط وتزكي كل سنة فهذا شيء تُشكر عليه، وهذا يعتبتر ورعاً واحتياطاً لكن من حيث التحقيق بين أقوال العلماء وأقول الفقهاء, ذكرنا أن الراجح أنه لا زكاة فيه وأنه قول أكثر أهل العلم.
إن قالت امرأة: إنها تلبس الذهب ولكن إن عرض عليها أحد شراءه باعته؟ هل يعتبر عروض تجارة؟
لكن النية في الأصل هل هو معد للاستعمال؟
هي معدة للاستعمال، لكن إن عرض عليها؟
أنه معد للاستعمال لكن لو عرض عليها البيع لباعته، كذا، نقول: هذا- على القول الراجح- لا زكاة فيه؛ لأن أي شيء يستخدمه الإنسان إذا عُرض عليه عرضاً جيداً سوف يبيعه، حتى سيارة الإنسان لو أتى إنسان وعرض عليه عرضاً مغرياً ربما باعها وربما بيته، ربما هذا وارد على كل شيء، لكن المهم هو أن ننظر إلى النية في الأصل النية في الأصل ما هي؟ ما دامت النية في الأصل هي الاستعمال فهنا يعد من الحلي المعد للاستعمال، وهو يجري فيه خلاف الفقهاء الذي ذكرناه.
ذكرت لو أن رجلاً عنده عشرة آلاف ريال وعليه دين مائة ألف ريال، فإذن عشرة آلاف هذه حالت عليها الحول؟ ذكرت يا شيخ أنها تجب عليها الزكاة فكيف يا شيخ تجب عليه الزكاة وهو رجل معسر؟!!
نعم، أحسنت هذا سؤال جيد، نحن قلنا: إن الزكاة تتعلق بالمال، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، (أعلموا أن الله قد افترض عليهم في أمالهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم)، بينما الدين يتعلق بالذمة، ولهذا نحن نقول: إن ما عند الإنسان من المال الذي تجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول، فلا يمنع من وجوب الزكاة عليه الدينُ المترتب في ذمته؛ لأن الجهة في الحقيقة هنا منفكة ولكننا نشترط لوجوب الزكاة في المال الذي عنده أن يحول عليه الحول فمثلاً لو كان عنده عشرة آلاف ريال، وعليه دين مقداره مائة ألف ريال، نحن نقول: لا تجب الزكاة في هذه العشرة آلاف حتى يمضي عليها سنة كاملة، وهي عنده، ولذلك نقول: ما دام أنه قد مضى عليها سنة كاملة وهي عنده تعلق بها حق الفقراء والمساكين وأصحاب الزكاة، تعلق بهذه العشرة آلاف ريال, قد تقول: كيف تجب الزكاة عليه في عشرة آلاف وعليه ديون كثيرة؟ نقول: يفترض هو أن ينفق هذه العشر آلاف الموجودة عنده في سداد الدين الذي عليه، فإذا لم يفعل ذلك، فإنه تجب الزكاة في هذا المال الذي بقي عنده سنة كاملة، وذكرنا وجه هذا أيضاً من السنة، ذكرنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث العمال لقبض الزكوات من أربابها ولم يأمرهم أن يسألوهم هل عليهم ديون أم لا؟ مع أن الغالب أن عليهم ديوناً، ولعموم الأدلة أيضاً فكل هذا يؤيد رجحان القول بأن الراجح في هذه المسألة هو أن الدين لا يمنع من وجوب الزكاة على الإنسان.
كم نصاب الماس والمجوهرات؟ وهل يجب فيهما الزكاة؟
بالنسبة للجواهر من الماس وسائر أنواع المجوهرات هذه لا زكاة فيها إلا إذا أعدها للتجارة، إذا أعدها للتجارة فإذا أعدها للتجارة فإن نصابه هو نصاب زكاة عروض التجارة ونصاب زكاة عروض التجارة هو نصاب أدنى النصابين من الذهب والفضة، والمقدار الواجب كما قلنا هو ربع العشر يعني اثنان ونصف في المائة، ولهذا نقول في عروض التجارة وفي ما ذكره الإخوة الذين سألوا عن زكاة المرتب الشهري، نقول: واجب فيها اثنان ونصف في المائة، وأعطي الإخوة المشاهدين قاعدة لكيفية استخراج اثنان ونصف في المائة، أقول: أي رقم عندك اقسمه على أربعين يخرج له اثنان ونصف في المائة، يخرج لك ربع العشر، اقسم أي مبلغ تريد معرفة زكاته على أربعين، هذه قاعدة، يعني: لو كان عندك مائة ألف ريال، تريد معرفة زكاتها، اقسمها على أربعين يخرج لك ربع العشر مباشرة، عندك مثلاً مليون ريال، اقسم على أربعين، خمسمائة ألف اقسم على أربعين، ألف ريال اقسمه على أربعين وهكذا، هذه قاعدة مفيدة، أي مال تريد معرفة زكاته اقسمه على أربعين يخرج لك ربع العشر الذي هو اثنان ونصف في المائة.
أحسن الله إليكم شيخنا ولعلنا نختم بهذه الإجابة الموفقة، ولو تكرمتم بإعطاء المشاهدين والإخوة على الموقع سؤالي الحلقة القادمة؟
أنا أعطيهم الحقيقة سؤالين: السؤال الأول: فيما شُرِح. والسؤال الثاني: فيما سيُشرح، وذلك حتى أيضاً يحضروا الدرس، ونرى اجتهاداتهم في هذا،
السؤال الأول فيما شرح في زكاة الأثمان: كم يعادل نصاب الذهب والفضة بالجرامات؟
السؤال الثاني فيما سيشرح في باب زكاة العروض، نريد من الإخوة أن يحضروا للدرس ونريد أن نرى اجتهاداتهم في الجواب عن هذا السؤال: رجل عنده عروض للتجارة وبعد مضي تسعة أشهر عليها باعها وبقيت قيمتها عنده ثلاثة أشهر فهل فيها زكاة؟ أم لا؟
نريد أن نستمع إلى إجابة هذا السؤال والسؤال الذي قبله في الدرس القادم -إن شاء الله- لكن السؤال الثاني فيما سيشرحه -إن شاء الله تعالى-. |