|
بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا, نسألك اللهم علماً نافعاً ينفعناً.
لازلنا في أحكام ومسائل الزكاة كنا قد وصلنا إلى باب: من يجوز دفع الزكاة إليه, يعني: أهل الزكاة وابتدأنا بهم ثم وعدنا باستكمال الحديث عن بقية مسائل وأحكام الباب في هذا الدرس فنبدأ أولاً بقراءة عبارة المؤلف:
بسم الله الرحمن الرحيم, باب من يجوز دفع الزكاة إليه يقول المصنف بن قدامة -رحمه الله تعالى: ( وهم ثمانية أصناف:
الفقراء وهم الذين لا يجدون ما يقع موقعاً من كفايتهم بكسب ولا غيره.
والثاني: المساكين وهم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية.
الثالث: العاملون عليها وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيها.
والرابع: المؤلفة قلوبهم وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم إسلامهم أو دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو معونتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعها.
الخامس: الرقاب وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق.
السادس: الغارمون وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين.
السابع: في سبيل الله وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم.
الثامن: ابن السبيل وهو المسافر المنقطع به وإن كان ذا يسار في بلده فهؤلاء أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم.)
)
)
)
)
قال -رحمه الله تعالى: (باب من يجوز دفع الزكاة إليهم) والمقصود بهم أهل الزكاة، وذلك أن الله - عز وجل- قسم الزكاة على ثمانية أصناف لقوله- سبحانه- في سورة التوبة: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابن السبيل فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾[التوبة:60 ] فقوله- سبحانه: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ﴾ يعني: الزكوات وسبق أن قلنا: إن الزكاة يطلق عليها صدقة.
وصدرت الآية بأداة الحصر إنم وفي هذا دليل على أنه لا يجوز أن تصرف الزكاة إلا إلى هؤلاء الأصناف الثمانية على سبيل الحصر.
ثم ذكرهم ربنا -عز وجل- ثم قال: ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ لأن هذه القسمة صادرة عن علم وحكمة من الله- سبحانه وتعالى- وحينئذ يتعين على المسلم معرفة هؤلاء الأصناف الثمانية حتى تبرأ ذمته بدفع الزكاة إليهم، لابد من معرفة هؤلاء الأصناف الثمانية الذين يجوز أن تدفع الزكاة إليهم.
قال -رحمه الله تعالى: (وهم ثمانية: الأول: الفقراء)
الصنف الأول: الفقراء والصنف الثاني: المساكين وسبق أن قلنا في آخر الدرس السابق: إن الفقراء والمساكين يطلق كل مصطلح على الآخر، يطلق على الفقراء المساكين، ويطلق على المساكين الفقراء، فبينهما عموم وخصوص يعني كل فقير مسكين وكل مسكين فقير هذا عند الإطلاق، ولكن عند الاجتماع لكلٍّ مصطلح يخصه وهذه يقال فيها: من المصطلحات التي إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا فهذه لها نظائر, من يعطينا مصطلحين إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا؟
الإسلام والإيمان
الإسلام والإيمان. أحسنت. الإسلام والإيمان إذا أطلق الإسلام شمل الإيمان وإذا أطلق الإيمان شمل الإسلام, لكن عند اجتماعهما المراد بالإسلام شعائر الإسلام الظاهرة, والمراد بالإيمان شعائر الإسلام الباطنة، هكذا أيضاً الفقير والمسكين إذا أطلق الفقير شمل المسكين وإذا أطلق المسكين شمل الفقير ولكن عند اجتماعهما كما في هذه الآية يختلف معنى الفقير عن معنى المسكين.
الفقير والمسكين: يجمعهما أنهما من ذوي الحاجة, كل منهما محتاج ولكن الفقير أشد حاجة من المسكين وفرق بينهما المؤلف وقال بالنسبة للفقراء: هم الذين لا يجدون موقعاً من كفايتهم بكسب ولا غيره وأما المساكين هم الذين يجدون ذلك ولا يجدون تمام الكفاية، وبعبارة أوضح الفقراء هم الذين لا يجدون شيئاً أو يجدون دون نصف الكفاية، هم الذين لا يجدون شيئاً يعني فقراء معدمين أو يجدون دون نصف الكفاية. أما المساكين فهم الذين يجدون نصف الكفاية أو أكثرها.
هذا هو الفرق, أحسن ما قيل في الفرق بين الفقير والمسكين أن الفقير هو الذي لا يجد شيئاً أو يجد دون نصف الكفاية والمسكين هو الذي يجد نصف الكفاية أو أكثرها.
وقيل: إن الفقير هو الذي لا يجد قوت يومه والمسكين هو الذي لا يجد قوت عامه.
وقيل: إن المسكين هو الذي يسأل الناس والفقير هو الذي لا يسأل.
لكن أحسن ما قيل: هو القول الأول هو أن الفقير هو الذي لا يجد شيئاً يعني: معدماً هذا لا إشكال في أنه يسمى فقيراً.
هكذا إذا كان يجد شيئاً دون نصف الكفاية أيضاً يسمى فقيراً.
أما إذا كان يجد نصف الكفاية أو أكثر الكفاية ولا يجد تمام الكفاية فهذا مسكين نوضح هذا بمثال هذا رجل لو قلنا مثلاً: راتبه ألف ريال ويحتاج إلى نفقة بقدر ألف ريال فهل هذا فقير أو مسكين؟ يعني: النفقة هنا موازية للمرتب إذن: هو يجد تمام الكفاية، لكن لو كان راتبه ألف ريال ويحتاج نفقة بمقدار ألفي ريال هنا نصف الكفاية، أو يجد مثلاً أو أن راتبه ألف ريال يحتاج إلى نفقة ألف وخمسائة ريال أكثر الكفاية هنا يعتبر مسكيناً, لكن لو كان راتبه ألف ريال ويحتاج إلى نفقة مثلاً بقدر ثلاثة آلاف ريال يعتبر فقيراً.
لو كان راتبه ألف ريال واحتاج إلى نفقة بمقدار خمسمائة ريال هل هذا فقير أو مسكين؟ هذا ليس فقيراً ولا مسكيناًَ إذا كان ألف ريال يعتبر كافياً ليس فقيراً ولا مسكيناً.
إذا زادت النفقة على مقدار ما يحصل عليه هنا إما نعتبره مسكيناً أو فقيراً فإذا كان يجد نصف الكفاية أو أكثر الكفاية يجد مثلاً راتبه ألف ريال ويحتاج إلى نفقة مقدارها مثلاً ألف وخمسمائة أو ألفي ريال هذا يعتبر مسكيناً إذا كان أكثر من ذلك يعني: لا يجد إلا أقل من نصف الكفاية فهنا مثلاً راتبه ألف ريال ويحتاج إلى ثلاثة آلاف ريال يعتبر فقيراً, فإذن: يجمعهما أنهما من ذوي الحاجات.
فالمسكين إذن هو أحسن حالاً من الفقير ولهذا قال الله - عز وجل- في قصة الخضر مع موسى ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ ﴾[الكهف:79] فوصفهم الله - عز وجل- أنهم مساكين وأنهم يعملون، فهم مساكين مع كونهم يعملون في البحر فليس كل من يعمل يكون غنياً قد يكون الإنسان يعمل لكنه مسكين وقد يعمل أيضاً ويكون فقيراً لكن على كل حال كما ذكرنا بالضابط الذي ذكرناه في الفقير وفي المسكين.
وذكرنا في آخر الدرس الماضي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعاذ بالله من الفقر وأما حديث (اللهم أحيني مسكيناً وتوفني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين ) ذكرنا في الدرس السابق أنه [أخرجه الترمذي] وأن جميع طرقه ضعيفة وأن ابن الجوزي حكم عليه بأنه موضوع ومن العلماء من حسنه ولكن الحق هو القول الوسط في ذلك وهو قول الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- أنه حديث ضعيف.
إذن: هذا هو ما يتعلق بالقسم الأول والقسم الثاني الفقراء والمساكين وهم في الوقت الحاضر يعتبرون أكثر الأصناف الثمانية مع الغارمين.
الصنف الثالث: العاملون عليها. قال المؤلف: ( وهم السعاة عليها ومن يحتاج إليه فيه).
السنة أن الإمام يبعث عاملين لجباية الأموال الظاهرة من أربابها وهذا هو الذي عليه العمل هنا في المملكة العربية السعودية إلى الآن تبعث الدولة سعاة لجلب الزكوات من أربابها من الأموال الظاهرة كالمواشي مثلاً وهؤلاء لهم حق في الزكاة ولكن ما لم يكن لهم رواتب من الدولة.
أما إذا كان لهم راتب من الدولة- كما عليه الأمر في الوقت الحاضر- فليس لهم أن يأخذوا من الزكاة إلا بإذن الإمام فلو أذن لهم الإمام في أخذ شيء من الزكاة جاز ذلك لأن لهم حق فيها, أما إذا لم يأذن لهم ولهم رواتب ومكافآت فإنه ليس لهم الأخذ من الزكاة, لكن يجوز للإمام أن يعطيهم من الزكوات التي يطلبونها من أربابها حتى قال العلماء: حتى ولو كانوا أغنياء ولعل الحكمة في ذلك- والله أعلم- هو أن نفوساً قد تعلقت بهذه الأموال فكانت الحكمة تقتضي أن يعطوا شيئاً منها خاصة إذا كان هؤلاء العاملين فقراء.
القسم الرابع: المؤلفة قلوبهم. وفصل المؤلف هذا القسم بقوله:( وهم السادة المطاعون في عشائرهم الذين يرجى بعطيتهم دفع شرهم أو قوة إيمانهم أو دفعهم عن المسلمين أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنعون عن دفعه) هم السادة المطاعون في عشائرهم: أفادنا المصنف -رحمه الله تعالى- أن المؤلفة قلوبهم يشترط أن يكونوا سادة بأن يكونوا مثلاً رؤساء قبائل أو رؤساء عشائر ونحو ذلك.
أما إذا كانوا من الأفراد أفراد الناس العاديين فعلى كلام المؤلف أنهم لا يعطون من الزكاة، لكن لو كان إنسان سيداً في قومه فهذا يعطى من الزكاة إذا كان يرجى بذلك إسلامه أو دفع شره أو حتى لو كان مسلماً (ويرجى بذلك تقوية إيمانه أو حتى دفع شره عن المسلمين) ولهذا حتى ولو كان كافراً ويرجى بإعطائه الزكاة دفع شره عن المسلمين فإنه يعطى من الزكاة وهذه هي الحالة الوحيدة التي يجوز أن يعطى فيها الكافر من الزكاة وهي إذا كان كافراً ويرجى بإعطائه الزكاة دفع شره عن المسلمين.
قال: (أو إعانتهم على أخذ الزكاة ممن يمتنع من دفعه) كأن يكونوا أقوياء وإذا أعطاهم من الزكاة أعانوا المسلمين على أخذ الزكاة ممن امتنع من دفعها.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان يقصد بإعطائهم الزكاة دفع شرهم فلابد أن يكونوا سادة لأن الواحد لا يضر المسلمين في الغالب إنما الذي يضر المسلمين هو السيد الذي يكون له أتباع أما إذا كان المقصود من دفع الزكاة تقوية إسلامهم أو كان المقصود من دفع الزكاة هو أنه يرجى إسلامهم فالصحيح أنهم يعطون من الزكاة وإن لم يكونوا سادة، وهذا قول جيد ومتجه وذلك لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن، إذا كنا نعطي هذا الفقير والمسكين لحفظ بدنه فلأن نعطي هذا الإنسان الذي يرجى بعطيته إسلامه أو تقوية إسلامه هذا من باب أولى لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من إحياء البدن وحفظ الصحة، ولعل هذا القول هو الراجح- والله تعالى أعلم.
فنقول إذن: هل يشترط في المؤلفة قلوبهم أن يكونوا سادة؟ نقول: في هذا تفصيل:
- إذا كان يرجى كفُّ شرهم عن المسلمين فهذا لابد أن يكون سيداً لأن الواحد لا يضر المسلمين في الغالب وإنما الذي يضرُّ المسلمين هو الذي يكون له أتباع.
- أما إذا كان يرجى بذلك إسلامه أو يرجى بذلك تقوية إسلامه فإنه يعطى من الزكاة وإن لم يكن سيداً في قومه، لأن حفظ الدين وإحياء القلب أولى من حفظ الصحة وإحياء البدن وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة- والله تعالى أعلم.
فمثلاً يفد إلى بعض بلاد المسلمين أناس ليسوا مسلمين فيمكن أن يعطوا من الزكاة إذا كانوا يرجى إسلامهم, يقال: إذا أسلمت أعطيناك كذا أو يعطى من الزكاة تأليفاً لقلبه ولا شك أن المال له تأثير على النفوس ولذلك يقال في المثل: الفلوس تغير النفوس، المال له تأثير ولقد لاحظ الإسلام هذا المعنى ولهذا كان صفوان بن أمية يقول: إنه تبع النبي -صلى الله عليه وسلم- وما كان أحد من الناس أبغض إليه منه, فما زال النبي -صلى الله عليه وسلم- يعطيه من المال حتى صار أحب إنسان له على وجه الأرض وكذلك قال غيره ممن أعطاهم النبي -صلى الله عليه وسلم.
لا شك أن العطية تؤثر في المحبة وفي الكره وفي تقوية الإسلام وفي استمالة هذا الإنسان إلى دين الإسلام ولهذا جعل الله- تعالى- لهؤلاء قسماً في الزكاة؛ لأن هذا أمر واقع ومشاهد، أن المال له تأثير في النفوس، هذا الإنسان الكافر إذا أعطيناه من الزكاة ثم أعطيناه لا شك أن هذا سيؤثر في نفسه وسيميل لدين الإسلام وسيقبل عليه وربما يكون هذا سبيلاً في إسلامه فيكون في هذا خير عظيم، وإذا كنا نعطي هذا الفقير والمسكين لإحياء بدنه فنعطي هذا لأجل إحياء قلبه وإنقاذه من النار هذا من باب أولى، انظروا كيف أن هذه الشريعة لاحظت هذه المعاني ولا غرو في ذلك فهي من لدن حكيم عليم- جل وعلا.
القسم الخامس: الرقاب وفسر المؤلف الرقاب بقوله: (وهم المكاتبون وإعتاق الرقيق) المكاتبون: العبد إذا كاتب سيده على أن يعطيه أقساطاً منجمة يعتقه بعدها فهذا يسمى مكتابة وهو مذكور في قول الله - عز وجل: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾[النور: 33] فهؤلاء المكاتبون يعطون من الزكاة ما يعينهم وكذلك أيضاً في إعتاق الرقيق يجوز أن تدفع الزكاة في إعتاق الرقيق.
قاس العلماء على ذلك فَكُّ الأسير المسلم فيجوز أن تدفع الزكاة لفكِّ الأسير المسلم وذلك لأنه إذا جاز دفع الزكاة لفك عبدٍ من رقِّ العبودية ففك بدن الأسير المسلم من باب أولى لأن هذا الأسير معرض للقتل ولذلك يجوز أن تدفع الزكاة لفك أسرى المسلمين ويكون هذا داخلاً في قول الله- تعالى: ﴿ وَفِي الرِّقَابِ ﴾.
القسم السادس: الغارمون قال: (وهم المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين) قسَّم المؤلف -رحمه الله تعالى- الغارمين إلى قسمين:
القسم الأول: (المدينون لإصلاح نفوسهم في مباح) يعني: المدينون لحظ أنفسهم هذا هو المقصود, فكم من دخل في التجارة ثم لحقته ديون كثيرة لكن لابد أن يكون هذا في مباح لا يكون قد دخل في أمور محرمة إنما يكون في مباح فبعض الناس تركبه ديون لأسباب كثيرة إما بسبب شراء, بسبب مثلاً دخوله في تجارة بسبب مثلاً حادث سيارة اشترى سيارة ثم تلفت, أسباب كثيرة فهؤلاء المدينون الذين استدانوا لحظ أنفسهم يعني: لمصلحة أنفسهم هؤلاء قسم من الغارمين وهؤلاء يجوز دفع الزكاة إليهم وهم في الوقت الحاضر نستطيع أن نقول: هم أوضح الأقسام فإذا وجدت إنساناً مديناً لحقته ديون وهو عاجز عن سدادها فتعتبر أن هذا من الغارمين وتعطيه من الزكاة.
لكن انتبه لهذا الشرط لابد أن يكون هذا الغارم عاجزاً عن سداد الدين أما إذا لم يكن عاجزاً فلا يعطى من الزكاة فلو كان مثلاً مرتبه عشرة آلاف ريال وعليه ديون لكن يستطيع أن يقسط هذا الدين على مرتبه فإنه لا يعطى من الزكاة لأنه ليس عاجزاً عن سداد هذا الدين.
لكن لو أنه حل عليه الدين: نفترض مثلاً أن عليه ثلاثمائة ألف ريال وراتبه حتى وإن كان راتبه خمسة آلاف أو ستة آلاف أو سبعة آلاف هو مطالب الآن بسداد هذا الدين فإما أن يسدد وإما أن يحبس وهنا يصبح من الغارمين، فإذن: الغارمون المدينون العاجزون عن سداد الدين هذا إذا كان ذلك لحظ أنفسهم.
القسم الثاني من الغارمين: قال: (أو لإصلاح بين طائفتين من المسلمين) يعني: الغارمون لإصلاح طائفتين من المسلمين كمن تحمل حمالة وديوناً لإصلاح بين طائفتين غالب المنازعات والخصومات تكون لأجل لعاعة من الدنيا فإذا حصل بين طائفتن خلاف على لعاعة من الدنيا أتى أحد المحسنين وقال: إن هذا الذي اختلفتم عليه أتحمله في ذمتي, أصبح ديناً في ذمته فهذا يعتبر من الغارمين قال أهل العلم: يعطى من الزكاة ولو كان غنياً هذا الغارم للإصلاح بين طائفتين يعطى من الزكاة ولو كان غنياً تشجيعاً له على هذا العمل النبيل.
ويدل لذلك قصة قبيصة بن مخارق: ( لما قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: تحملت حمالة فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- أسأله فيها فقال: أقم عندنا يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك به) [أخرجه مسلم في صحيحه].
فإذن نقول: الغارمون ينقسمون إلى قسمين:
1- مدينون لحظ أنفسهم.
2- ومدينون لإصلاح بين طائفتين من المسلمين.
وكلا القسمين يعطى من الزكاة ولكن قلنا: الغارمون لحظ أنفسهم إنما يعطون من الزكاة إذا كان الدين عليهم حالاً وهم عاجزون عن سداده.
القسم السابع: في سبيل الله فسره المؤلف بقوله: (وهم الغزاة الذين لا ديوان لهم) أفادنا المؤلف بأن المقصود بقوله:( في سبيل الله) أي الغزاة المجاهدون لإعلاء كلمة الله ولا ديوان لهم يعني: لا يصرف لهم مرتبات فهؤلاء يعطون من الزكاة.
قال أهل العلم: يعطون أيضاً من الزكاة ما يشمل شراء أسلحتهم وآلات الجهاد وكل ما كان متعلقاً بالجهاد في سبيل الله وعند جمهور أهل العلم أن هذا خاص بالجهاد في سبيل الله.
ولكن بعض العلماء قال: إن المقصود بقوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ كل عمل بر وخير فمعنى ذلك بناء على هذا القول: يشمل هذا المصرف أموراً كثيرة جداً:
- يشمل بناء المساجد.
- يشمل إصلاح الطرق.
- يشمل بناء المدارس.
- يشمل طبع الكتب..... يشمل أموراً كثيرة لا تحصر أصنافها فضلاً عن أشخاصها.
وهذه المسألة أعنى المقصود بقول الله- تعالى: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ المقصود بهذا المصرف قد جرى بحثها قديماً في مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية قبل نحو ثلاثين عاماً, عام ألف وثلاثمائة وأربعة وتسعين هجري، جرى بحث هذه المسألة آنذاك وحصل فيها نقاش ودراسة مستفيضة ثم صدر قرار بالأخذ بقول الجمهور وهو أن المقصود بقوله: (في سبيل الله) الجهاد في سبيل الله فقط وأنه لا يشمل كل عمل بر وخير وإنما هو خاص بالجهاد في سبيل الله وذلك لأن هذا اللفظ عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد في سبيل الله, هذا اللفظ عند الإطلاق في الكتاب والسنة إنما ينصرف للجهاد في سبيل الله.
وأيضاً لو قلنا: إن المقصود بقوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ كل عمل بر وخير لم يكن الحصر لهؤلاء الأصناف الثمانية معنى, معنى ذلك يكون لو قال: إنما الصدقات في سبيل الله لشمل هذه الأصناف كلها وكلام الله - عز وجل- مصان عن التكرار الذي لا معنى له ولا فائدة له ولو كان المقصود بقوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ كل عمل خير وبر لشمل الأصناف السبعة المتبقية كلها ولقال: إنما الصدقات في سبيل الله ويشمل الفقراء ويشمل المساكين ويشمل العاملين عليها ويشمل المؤلفة قلوبهم ويشمل وفي الرقاب والغارمين وابن السبيل يشملهم لأنه إذا قلنا: إنه في كل عمل بر وخير شمل هؤلاء كلهم ولكن لما أتت الآية بهذا السياق وبهذا الحصر إنما دل ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ على أن هذا المصرف محصور في فئة معينة وهم المجاهدون في سبيل الله فهذا هو القول الصحيح وهو الذي عليه جمهور المفسرين وعليه أيضاً جمهور الفقهاء وهو أن المقصود به المجاهدون في سبيل الله.
بناء على ذلك لا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المساجد ولا يجوز أن تصرف الزكاة في بناء المدارس ولا في طباعة الكتب ولا في جمعية تحفيظ القرآن لأنهم غير داخلين في قوله: ﴿ وَفِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ وهذا هو القول الأظهر والأقرب- والله تعالى أعلم- في هذه المسألة.
ولكن هل ينحصر مفهوم الجهاد في سبيل الله في الجهاد بالسلاح أو أنه يشمل الجهاد بالكلمة؟ لو تأملنا بعض الآيات القرآنية المكية نجد أن الله – تعالى- ذكر فيها الجهاد كما في قوله- سبحانه- في سورة الفرقان: ﴿ فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾[الفرقان: 52 ] وهذه الآية في سورة الفرقان وهي مكية، ومعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكة كان ممنوعاً من الجهاد بالسيف وإنما كان مأموراً بالجهاد بالكلمة فقط, بالجهاد بالقرآن والحجة والبيان وكان ممنوعاً من الجهاد بالسيف هو -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه -رضي الله تعالى عنهم- وكان -عليه الصلاة و السلام- يرى الأصنام تعلق على الكعبة ويمنع أصحابه وينهاهم عن أن يكسروها وأن يقابلوا المشركين بالسلاح فكان الجهاد ممنوعاً عليهم لأن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في حالة ضعف فليس من الحكمة أن يبدؤوا بالجهاد بالسيف لكن لما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة وكون الدولة الإسلامية وأصبح للمسلمين قوة هنا أمر بالجهاد بالسيف ﴿ فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ... ﴾[التوبة: 5] إلى آخر الآية.
إذن: النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفترة المكية لما كان في حالة الضعف كان ممنوعاً من الجهاد بالسيف لكنه كان مأموراً بالجهاد بالكلمة والحجة والبيان وتبليغ القرآن ومن ذلك هذه الآية: ﴿ فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾، فانظر كيف وصفه الله -عز وجل- بقوله: ﴿جِهَاد﴾ ثم وصفه بقوله ﴿ جِهَاداً كَبِيراً ﴾ وأحياناً يكون الجهاد بالحجة والبيان أقوى من الجهاد بالسلاح وأيضاً أمر الله -تعالى- بجهاد المنافقين فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾[التحريم: 9] ومعلوم أن المنافقين تحت قهر أهل الإسلام فلا يجاهدون بالسلاح إنما: جهادهم بالحجة والبيان.
إذن: جعل الله - تعالى- الجهاد بالحجة والبيان وتبليغ القرآن جعله جهاداً وسماه جهاداً بل جهاداً كبيراً ولذلك فإنه يدخل في مسمى الجهاد في سبيبل الله فيدخل في هذا القسم ولذلك فمراكز الدعوة إلى الله - عز وجل- يجوز أن تدفع الزكاة إليهم لأنهم يقومون في الحقيقة بنوع من الجهاد في سبيل الله - عز وجل- لأنه كما قلنا لا ينحصر الجهاد في سبيل الله في الجهاد بالسلاح وإنما يشمل الجهاد بالكلمة.
فإذن: مراكز الدعوة إلى الله - عز وجل- التي تدعو إلى الله- سبحانه- لا شك أنها تقوم بنوع من الجهاد في سبيل الله ولهذا يجوز أن تدفع الزكاة إليهم وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء اللجنة الدائمة برئاسة سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- كتبت لهم إحدى المراكز الإسلامية استفساراً حول جواز دفع الزكاة إلى ذلك المركز الإسلامي الذي يقوم بالدعوة إلى الله- سبحانه- فاصدرت اللجنة الدائمة فتوى بجواز دفع الزكاة إلى تلك المراكز والمكاتب التي مهمتها الدعوة إلى الله - عز وجل- خاصة في البلاد الغير إسلامية فيوجد بعض المراكز الإسلامية في بلاد غير إسلامية تكون مهمتها الدعوة إلى الله - عز وجل.
فهؤلاء نقول: يجوز أن تصرف الزكاة إليهم ليس لأن مصرف "في سبيل الله" يشمل كل خير وكل بر وإنما من باب أنهم يقومون بنوع من الجهاد في سبيل الله -عز وجل- وهو الجهاد بالكلمة وبالبيان وتبليغ القرآن وتبليغ رسالة الإسلام وهذا من أعظم أنواع الجهاد وهو الجهاد الذي قام به النبي -صلى الله عليه وسلم- في الفترة المكية فإنه قد قام بهذا النوع من الجهاد الذي أمره الله -تعالى- به ووصفه بأنه كبير: ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾ يعني: جاهدهم بتبليغ هذا القرآن جهاداً كبيراً.
إذن: الخلاصة من هذا الكلام كله: أن مصرف "في سبيل الله" القول الصحيح أن المقصود به الجهاد في سبيل الله وأن الجهاد في سبيل الله لا ينحصر في الجهاد بالسلاح وإنما يشمل الجهاد بالكلمة والحجة والبيان وتبليغ القرآن وتبليغ رسالة الإسلام فيشمل المراكز والمكاتب التي أنشئت لتبليغ الإسلام والدعوة إلى الله -عز وجل- فيجوز أن تدفع الزكاة إليهم.
القسم الثامن: ابن السبيل وفسره المؤلف بقوله: (وهو المسافر المنقطع به السفر وإن كان ذا يسار في بلده) المسافر المنقطع به السفر كإنسان سرقت نقوده أو ضاعت أتى مثلاً لأخذ عمرة ثم ضاعت نقوده أو سرقت مثلاً فهذا يعتبر ابن سبيل يجوز أن يعطى من الزكاة.
قال الفقهاء: ولو كان غنياً في بلده يعطى من الزكاة بقدر ما يوصله إلى بلده، فإذن هذا هو المقصود بقوله ابن السبيل.
هؤلاء إذن هم الأصناف الثمانية الذين تدفع الزكاة إليهم ولا يجوز أن تدفع الزكاة إلى غير هؤلاء الأصناف الثمانية وبناء على ذلك مثلاً:
- هل يجوز دفع الزكاة في بناء المساجد؟ نقول: ليست من هذه الأصناف الثمانية فلا تدفع الزكاة فيها. هل يجوز دفع الزكاة في بناء المدارس؟ ليست من هذه الأصناف الثمانية.
- هل يجوز دفع الزكاة في تفطير الصائمين؟ ونحن الآن مقبلون على شهر رمضان, نسأل الله- تعالى- أن يبلغنا جميعاً هذا الشهر الكريم، يرد سؤال من بعض الناس يقول: هل يجوز أن أدفع الزكاة لتفطير الصائمين أشرنا للإجابة عن هذا السؤال في درس سابق نريد أن نستمع منكم.
إذ كانوا كلهم فقراء أو مساكين فيجوز دفع الزكاة لهم لتفطير الصائمين أما إذا كان منهم أغنياء وبعضهم فقراء ومساكين فلا.
وإذا كان يجهل حالهم ما يدري هل هم فقراء أو ليسوا فقراء هل تدفع الزكاة هنا في تفطير الصائمين؟ نقول لا تدفع، إذن نقول الجواب فيه تفصيل فإن كان قد تحقق من أن هؤلاء الصائمين من الفقراء أو المساكين فيجوز أن يدفع الزكاة في تفطير هؤلاء الصائمين.
أما إذا كان هؤلاء الصائمون ليسوا من الفقراء والمساكين أو أنهم قد اختلط الفقراء مع غيرهم أو أنهم تجهل حالهم فلا تدفع الزكاة في تفطير الصائمين.
وهذا هو الأغلب في تفطير الصائمين أنهم تجهل حالهم لا يدرى هل هؤلاء فقراء ومساكين أم دخل معهم غيرهم؟ ولذلك نقول: لا تدفع الزكاة في تفطير الصائمين اللهم إلا إذا تحققنا أن هؤلاء الصائمين كلهم من الفقراء أو المساكين وإلا الأصل أن الزكاة لا تدفع لتفطير الصائمين إنما يدفع الإنسان من الصدقة أو تبرع من عنده, لكن الزكاة لا تدفع لتفطير الصائمين إلا إذا كانوا فقراء أو مساكين.
ننتقل لعبارة المؤلف.
ثم قال -رحمه الله تعالى: ( فهؤلاء أهل الزكاة لا يجوز دفعها إلى غيرهم ويجوز دفعها إلى واحد منهم لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- (أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر) وقال لقبيصة (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ) ويدفع إلى الفقير والمسكين ما يتم به كفايته وإلى العامل قدر عمالته وإلى المؤلف ما تحصل به تأليفه وإلى المكاتب والغارم ما يقضى به دينه وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده ولا يزاد أحد منهم على ذلك، وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وهم: الفقيرو المسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى وهم العامل والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين.)
قال -رحمه الله تعالى: (ويجوز دفعها إلى واحد منهم) يعني: لو كان عندك الزكاة ودفعتها لفقير جاز ذلك يعني: لا يشترط استيعاب هؤلاء الأصناف الثمانية وإنما يجوز أن تدفع الزكاة إلى واحد منهم -دفعتها إلى غارم إنسان مدين عاجز عن سداد الدين ودفعت الزكاة كلها له- يجوز ذلك.
فإذن: يجوز أن تدفع الزكاة لواحد من هؤلاء الأصناف الثمانية واستدل المؤلف على ذلك قال: (لأنه -صلى الله عليه وسلم: (أمر بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمة بن صخر)) وهو الذي قد ظاهر من امرأته أمر -عليه الصلاة و السلام- بدفع صدقتهم إليه (كذلك قال لقبيصة: (أقم عندنا يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك به)) مع أنه قد تحمل حمالة فهو صنف واحد ومع ذلك وعده النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعطائه من الزكاة فدل ذلك على أنه لا يشترط استيعاب جميع الأصناف الثمانية وإنما يجوز أن تدفع الزكاة لواحد من هذه الأصناف.
قال: (ويدفع إلى الفقير المسكين ما تتم به كفايته ) يعطى الفقير والمسكين ما يسد حاجته وما تتم به كفايته وهذا يختلف باختلاف الفقراء والمساكين فالفقير الأعزب مثلاً ليس كالفقير الذي عنده عائلة كبيرة عنده عشرة أطفال مثلاً حاجة هذا تختلف عن حاجة ذاك فيعطى هذا ما تسد حاجته ويعطى ذاك ما تسد حاجته.
هل يجوز أن يشترى للفقير أو المسكين بيتاً من الزكاة؟ لو أتى فقير أو مسكين لأحد المحسنين وقال: أريد أن اشتري بيتاً قال: ما عندي إلا الزكاة هل يجوز أن يشتري له بيتاً من الزكاة؟
نعم يجوز
البيت قد يكون قيمته أربعمائة ألف ريال مثلاً مبلغ كبير.
يسد الحاجة
ألا يمكن أن تندفع وتسد حاجته باستئجاره؟ نعم. إذن: ما دام أنه يمكن أن تسد حاجته باستئجاره فلا يشترى له بيت وإنما يستأجر له فقط وهذا نستفيده من عبارة المؤلف أنه يدفع للفقير والمسكين ما تتم به كفايته فنقول: يمكن سد حاجة هذا الفقير أوالمسكين من جهة السكنى بأن يستأجر له بيت وبذلك يَسد حاجتَه.
أما أنه يشتري له بيتاً بمبلغ كبير لو وزع على الفقراء لاستوعب عدداً كبيراً من الفقراء والمساكين ولذلك نقول: إنه لا يعطى الفقير لشراء عقار وهكذا المسكين وإنما يستأجر له لأنه بالاستئجار تسد حاجته ولأن شراء عقار له يكون على حساب فقراء ومساكين آخرين وأصحاب الزكاة الآخرين يكون هذا على حسابهم لأن المبلغ الذي سوف يشترى به هذا العقار سيكون كبيراً فيكون في هذا تضييق على أهل الزكاة ولهذا قال أهل العلم: إنه يستأجر له من الزكاة ولكن لا يشترى له به عقاراً من الزكاة.
قال: ( وإلى العامل قدر عمالته ) هذا على التفصيل الذي ذكرناه العامل إذا كان أرسله الإمام ولم يكن له مرتب أو كان له مرتب وأذن له الإمام في الأخذ من الزكاة فيأخذ بقدر عمالته فقط.
( وإلى المؤلف ما يحصل به تأليفه) كذلك المؤلف ربما يحصل تأليفه مثلاً بمبلغ يسير أو مبلغ كبير يعطى بقدر ما يحصل به التأليف فقط.
(وإلى المكاتب والغارم ما يقضى به دينه) المكاتب وكذلك الغارم يعني: المدين يعطى ما يسدد به الدين فقط إذا كان هذا الغارم مثلاً عليه دين بقدر أربعين ألفاً يعطى بقدر ما يسدد به الدين ولا يزاد على ذلك (وإلى الغازي ما يحتاج إليه لغزوه) يعني: بقدر الحاجة فهؤلاء الأصناف كلهم الذين ذكرهم المؤلف يعطون من الزكاة بقدر الحاجة (وإلى ابن السبيل ما يوصله إلى بلده ولا يزاد واحد منهم على ذلك) يعني: بقدر حاجتهم.
ثم قال المؤلف (وخمسة منهم لا يأخذون إلا مع الحاجة وأربعة يجوز الدفع إليهم مع الغنى) فصَّل المؤلف وقال بأن خمسة من هؤلاء الأصناف الثمانية لا يأخذون إلا مع الحاجة وعدهم وهم قال: ( الفقير والمسكين والمكاتب والغارم لنفسه وابن السبيل) هؤلاء لا يأخذون إلا إذا كانوا محتاجين.
أما الذين يجوز دفع الزكاة إليهم مع الغنى قال: (العامل) يعني: العاملون عليها (والمؤلف والغازي والغارم لإصلاح ذات البين) ولهذا إذا قلنا: متى يجوز أخذ الزكاة مع الغنى؟ وهذا سؤال طرحناه على الإخوة في آخر الدرس الماضي.
يجوز أخذ الزكاة مع الغنى في هذه الأحوال الأربعة: في حال العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم, وكذلك في سبيل الله, وكذلك الغارم لكن لإصلاح ذات البين ليس الغارم لنفسه وإنما الغارم لإصلاح ذات البين فهؤلاء يجوز دفع الزكاة إليهم مع الغنى.
ولكن بعض الفقهاء قال: إن ابن السبيل يعطى من الزكاة ولو كان غنياً إذا لم يستطع الحصول على ما يوصله إلى بلده وبعض أهل العلم جعل ابن السبيل مع القسم الثاني أنه يجوز دفع الزكاة إليه مع الغنى لأنه أحياناً تضيع نفقة هذا الإنسان وهو غني, ويكون ثرياً في بلده ولكنه لا يستطيع أن يحصل على مبلغ مثلاً من بلده لبعده أو لعدم تمكنه أو لأي سبب من الأسباب فهنا يعطى من الزكاة ولو كان غنياً في بلده فجعل المؤلف هنا ابن السبيل مع من لا يأخذون إلا مع الحاجة يحتمل أن المؤلف يقصد أنه محتاج في البلد الذي انقطع به السفر فيه ففي هذه الحالة لا شك أنه محتاج فيحتمل المؤلف أنه يريد هذا فإن كان يريد هذا فيدخل مع القسم الأول, أما إذا كان المراد أنه يكون فقيراً حتى في بلده فهو يدخل مع القسم الثاني وهو أنه يجوز أن يدفع الزكاة إليه ولو كان غنياً في بلده بقدر ما يوصله إلى بلده.
وبهذا نكون قد انتهينا من أحكام ومسائل هذا الباب.
باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه
باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى: (لا تحل الصدقة لغني ولا قوي مكتسب ولا تحل لآل محمد -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم ومواليهم ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن عَلَوَا ولا إلى الولد وإن سَفَلَ ولا إلى الزوجة ولا من تلزمه مؤنته ولا إلى رقيق ولا إلى كافر فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وإلى غيرهم ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام منه قهراً وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزئه إلا الغني إذا ظنه فقيراً.)
هذا باب عقده المؤلف -رحمه الله تعالى- لبيان من لا يجوز دفع الزكاة إليهم وبدأ بقوله: (لا تحل الصدقة) يعني: الزكاة (لغني ولا لقوي مكتسب) وهذه أخذها المؤلف من قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب ) قال هذا -عليه الصلاة والسلام: ( حينما أتاه رجلان شابان جلدان فصعد فيهما النظر فقال -عليه الصلاة و السلام: إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب) وهذا الحديث [أخرجه أبو داود والنسائي] وهو حديث صحيح قال عنه الإمام أحمد: ما أجوده من حديث، وهو من جهة السند حديث صحيح.
(لا تحل الصدقة لغني ولا لقوي مكتسب) وقد ورد في ذلك الوعيد الشديد على من أخذ الزكاة وهو ليس بمستحق لها كما في قوله -عليه الصلاة و السلام: (من أخذ أموال الناس تكثراً فإنما يأخذ جمراً فليستقل أو ليستكثر) وأخبر -عليه الصلاة و السلام: (بأن المسألة كدح يكدح بها الإنسان وجهه حتى يلقى الله -تعالى- وليس في وجهه مزعة لحم) إلى غير ذلك مما ورد.
فلا يجوز للإنسان أن يأخذ من الزكاة وهو غير مستحق لها ولكن إذا سأل الزكاة إنسان ولم يعلم أنه غني فيجوز دفع الزكاة إليه بعد إعلامه بأنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب والأصل في هذا هو هذا الحديث فإن هذين الرجلين كانا قويين جلدين شابين ومع ذلك أعطاهما النبي -صلى الله عليه وسلم- من الزكاة بعد ما أخبرهما بأنه (لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب).
هل يطالب بالبينة؟ إذا أتى إليك إنسان وطلب منك أن تعطيه زكاتك هل تقول: أعطني بينة ائت بشاهدين أو احلف أنك فقير، أم أنه يعطى من غير بينة؟
يعني: إذا أتى إليك إنسان وطلب منك زكاتك ولم تعلم أنه غني وتجهل حاله فهل تطالبه بالبينة التي تثبت فقره أم أنه لا يطالب؟
إذا كان لا يعلم حاله يطالب بالبينة
معنى ذلك أن هؤلاء الفقراء كلهم نقول لهم: ائتوا لنا ببينة.
قال أهل العلم: إنه لا يطالب ببينة، لكن يعلم بأنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، لا يطالب ببينة وإنما يعطى ما دام أنه سأل من الزكاة يعطى منها بعد إعلامه أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى هذين الرجلين الجلدين ولم يطالبهما بالبينة مع أن ظاهر حالهما أنهما قادران على الاكتساب، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الحكمة في هذا قال: «لأن مفسدة منع الفقير من الزكاة أعظم من مفسدة إعطاء الزكاة من لا يستحقها» يعني: لو طالبنا ببينة يترتب على ذلك مفسدة وهي ماذا؟ وهي حرمان الفقير المستحق للزكاة الذي ليس عند بينة وهؤلاء كثر, ما أكثر الفقراء المستحقون للزكاة وليس عندهم بينة فهذه, مفسدة إذا لم نطالب ببينة عندنا مفسدة أخرى وهي أننا قد نعطى الزكاة من لا يستحقها.
فإذا قارنا بين المفسدتين وجدنا أن مفسدة كوننا نعطي هذا الفقير من غير بينة أنها أقل من مفسدة منع الفقير وحرمانه من الزكاة يعني: وجدنا أن مفسدة إعطاء من لا يستحق الزكاة من الزكاة أقل من مفسدة حرمان الفقير المستحق للزكاة, فإذا قارنا بين المفسدتين وجدنا أن هذه المفسدة أعظم من تلك, مفسدة حرمان الفقيرمن الزكاة أعظم من مفسدة إعطاء الغني أو من لا يستحق الزكاة من الزكاة؛ ولذلك من طلب الزكاة ولم يعلم أنه غني فإنه يعطى من الزكاة, ولكن قال أهل العلم: ينبغي أن يوعظ ويقال له: إنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
هذه مسألة يكثر السؤال عنها وتكلم عنها أهل العلم والأصل في هذا هو هذا الحديث الذي ذكرناه ونقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- الحكمة في كون من طلب الزكاة لا يطالب ببينة لكنه يوعظ فقط ولا يطالب ببينة لأنه يترتب على ذلك مفسدة حرمان الفقير الذي ليس عنده بينة من الزكاة.
قال ( ولا تحل لآل محمد -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم ) لقوله -عليه الصلاة و السلام- ( إنما الصدقات أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ) [أخرجه مسلم في صحيحه] ووجه كون الزكاة أوساخ الناس: لأن الزكاة تطهر الإنسان والطهور يتسخ بما يطهره أرأيت الثوب إذا طهر فإنه يخرج منه وسخ هكذا الصدقات أوساخ الناس قال -عليه الصلاة والسلام: (إنما الصدقات أوساخ الناس وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ) فمن كان ينتسب لآل البيت لبني هاشم فإنه لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة.
قال: (ومواليهم) وهم الأرقاء الذين أعتقهم بنو هاشم لقوله -عليه الصلاة والسلام- في حديث أبي رافع: (الصدقة لا تحل لنا وإن موالي القوم منهم) [أخرجه أبو داود] وهو حديث صحيح ولكن إذا كان هؤلاء- آل البيت الذين ينتسبون لبني هاشم- إذا كانوا فقراء ولم يكن هناك خمس أو أنه وجد خمس لكنهم منعوا منه ولم يتيسر إعطاؤهم من الخمس لأي سبب من الأسباب فقال بعض أهل العلم: إنه يجوز أن يعطوا من الزكاة في هذه الحال وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنهم إذا لم يعطوا الخمس وكانوا فقراء فيجوز أن يأخذوا من الزكاة في هذه الحالة وهذا هو الأظهر- والله تعالى أعلم- في هذه المسألة.
فنقول: إذن بنو هاشم لا يجوز أن يأخذوا من الزكاة وكذلك مواليهم إلا إذا لم يعطوا من الخمس كما هو عليه الحال الآن وحينئذ يعطون من الزكاة إذا كانوا فقراء والمقصود بالخمس هو خمس المذكور في قول الله -عز وجل- ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابن السبيل ﴾[الأنفال: 41] يعني: خمس الغنيمة الأربعة أخماس للغارمين والخمس لهؤلاء الذين ذكرهم الله - عز وجل- وذكر منهم ذوي القربى والمقصود بهم قرابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم بنو هاشم ولذلك نقول الآن: من كان ينتسب إلى بني هاشم يوجد الآن بعض الأسر تنتسب إلى بني هاشم فنقول: هؤلاء لا يجوز لهم أن يأخذوا من الزكاة لكن إذا كانوا فقراء فإنه يجوز لهم ذلك الآن باعتبار أنهم لا يعطون من الخمس.
ثم قال -رحمه الله تعالى: ( ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علو) يعني: لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى الوالدين وإن علوا، وذلك لأن نفقة الوالدين واجبة على الولد ودفع الزكاة إليهم إغناء لهم عن نفسه، فكأنه صرفها إلى نفسه في الحقيقة ؛ لأن النفقة واجبة عليه فإذا أعطاهم من الزكاة أغناهم عن نفسه فكأنه- في حقيقة الأمر- صرف الزكاة إلى نفسه ولهذا لا تدفع الزكاة إلى الوالدين وهكذا لا تدفع الزكاة أيضاً للولد يعني بعبارة مختصرة: لا تدفع إلى الفروع ولا إلى الأصول.
ولكن قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان في الفرع أو في الأصل من عليه دين وهو عاجز عن سداده فيجوز أن تدفع الزكاة إليه من ولده أو من والده وذلك لأن الولد أو الوالد لا يلزمه سداد دينه فجاز أن يعطيه من الزكاة نعم هو لا يعطيه لكونه فقيراً لأنه يجب عليه أن ينفق عليه لكن إذا كان عليه دين فإنه يجوز له أن يعطيه ما يسدد به الدين.
إذن نقول: لا يجوز أن تدفع الزكاة للفروع ولا في الأصول إلا فيما يتعلق بسداد الدين مع العجز عن سداده فيجوز أن يدفع الزكاة لسداد ذلك الدين، مثال ذلك: رجل عنده زكاة ووالده لحقته ديون كثيرة وهو عاجز عن سدادها فنقول بناء على هذا القول: يجوز أن يعطي والده من الزكاة ما يسدد به دينه ولا نقول: إنه والد فلا يجوز أن تدفع الزكاة إليه لأنه لم يدفع الزكاة إليه هنا لكونه فقيراً أو مسكيناً وإنما دفع الزكاة هنا لسداد دينه ولأن هذا الابن ليس ملزماً بسداد دين أبيه، ولذلك جاز أن يعطيه من الزكاة ما يسدد به دينه.
فنقول إذن: في الفروع والأصول لا يعطيه من الزكاة إلا إذا كان سوف يسدد ديناً لحقه وهو عاجز عن سداده وهكذا من تلزمه نفقته؛ ولهذا قال المؤلف: (ولا من تلزمه مؤونته) فالزوج لا يجوز له أن يعطي الزكاة لزوجته لأنه يجب عليه أن ينفق عليها وظاهر كلام المؤلف أن الزوجة أيضاً لا تعطي الزكاة لزوجها ولو كانت الزوجة موظفة مثلاً وعندها الزكاة وزوجها فقيراً فعلى كلام المؤلف أنه ليس لها أن تعطيه من الزكاة وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة, وذهب بعض أهل العلم إلى: أنه يجوز للزوجة أن تعطي الزكاة لزوجها الفقير وذلك لأن الزوجة غير مطالبة بالنفقة على زوجها إنما الزوج هو الذي ينفق على زوجته ومادام أنها غير مطالبة بالنفقة على زوجتها فيجوز لها أن تعطيه من الزكاة إذا كان من أهلها وهذا هو القول الراجح في هذه المسألة- والله تعالى أعلم- أنه يجوز للزوجة أن تدفع الزكاة لزوجها إذا كان من أهل الزكاة كأن يكون فقيراً أو مسكيناً أو من الغارمين مثلاً وذلك لعموم الأدلة ولأنه لا دليل يدل على عدم جواز دفع الزوجة الزكاة لزوجها ولقصة امرأة ابن مسعود في الصحيحين: ( لما أرادت أن تدفع صدقة قال لها ابن مسعود: أنا وولدي أحق من دفعت إليه الصدقة، فذهبت للنبي -صلى الله عليه وسلم- تسأله فقال -عليه الصلاة و السلام- صدق عبد الله, زوجك وولدك أحق من أعطيتيه الصدقة).
فهنا أقرها النبي -صلى الله عليه وسلم- على إعطائها زوجها صدقة تطوع وكذلك أيضاً يقاس عليها أيضاً الزكاة, ولأنه - كما ذكرت- لا يوجد ما يمنع من دفع الزوجة لزوجها الزكاة لأنها غير مطالبة بالنفقة على الزوج, نعم الزوج ليس له أن يعطي الزكاة لزوجته لكن الزوجة يجوز لها أن تعطي الزكاة لزوجها الفقير أو المسكين على الراجح من قولي الفقهاء في هذه المسألة.
قال (ولا إلى كافر) أي: أنه لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى الكفار ولو كانوا فقراء أو مساكين ولكن استثنى الفقهاء من هذا المؤلفة قلوبهم فقد استثناها الفقهاء من هذه المسألة.
قال الموفق ابن قدامة -رحمه الله تعالى: لا نعلم خلافاً بين أهل العلم أن زكاة المال لا تعطى لكافر إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم, أو من العاملين على قول بعض الفقهاء لكن إذا كانوا فقراء ومساكين وغير مسلمين لا يجوز إعطاؤهم من الزكاة قولاً واحداً، وقد حكى الموفق أنه لا يعلم بين أهل العلم خلافاً في هذه المسألة وكذلك أيضاً نقل ابن المنذر الإجماع على ذلك.
ولهذا لما حصل بعض الأعاصير وبعض الفيضانات في بعض الدول الغير مسلمة بعض الناس أفتى بأنهم يعطون من الزكاة هذا القول محل نظر من قال: يعطون من الصدقة لا بأس الصدقة, بابها واسع فيعطى الفقير من صدقة التطوع لا بأس بذلك ويدل على ذلك قول الله- تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾[الإنسان: 8] والأسير في الغالب يكون من الكفار فصدقة التطوع بابها واسع لكن أن يعطوا من الزكاة هذا لا يجوز, ولم يقل بذلك أحد من العلماء؛ ولهذا فقول بعض الإخوة: إنهم يعطون من الزكاة لكونهم فقراء أو مساكين هذا قول غير صحيح ولم يقل به أحد من العلماء بل حكي الإجماع على خلافه.
إذن: متى يعطى الكافر من الزكاة؟ نقول: في حالة واحدة فقط وهي أن يكون من المؤلفة قلوبهم أما أن يعطى لكونه فقيراً أو مسكيناً أو أصابته جائحة لا يعطى من الزكاة واستدل العلماء على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث معاذ: (وأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم) يعني: أغنياء المسلمين (فترد إلى فقرائهم ) يعني: إلى فقراء المسلمين وكما ذكرنا حكي إجماع العلماء على هذه المسألة.
قال:( فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وغيرهم) أفادنا المؤلف أن صدقة التطوع تعطى للوالدين والأولاد وتعطى للزوجة وتعطى للزوج وتعطى حتى الكافر أيضاً يجوز إعطاؤه من صدقة التطوع إذا كان فقيراً أو مسكيناً.
قال: (ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية إلا أن يأخذها الإمام منه قهر) لأن الزكاة عبادة والعبادات لابد فيها من النية لعموم قول النبي -صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) لكن الفقهاء استثنوا من ذلك مسألة وهي أن يأخذها الإمام منه قهراً فحينئذ لا يشترط النية في هذه المسألة.
قال: (وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزئه إلا الغني إذا ظنه فقير) إذا دفع الزكاة إلى غير مسحقها فإنه لا يجزئه لكونه لم يتحرَّ، إلا لغني ظنه فقيراً فإنه يجزئه دفع الزكاة في هذه الحال وذلك لأن الفقر أمر خفي قد يدعِ الفقر إنسان وهو ليس بفقير ولذلك لو أنك دفعت الزكاة لإنسان ثم لما دفعت له الزكاة أتى إليك شخص وقال: يا فلان هذا الذي أعطيته الزكاة أغنى منك هذا إنسان عنده كذا وعنده كذا. فنقول: الحكم أن هذا مجزئ ولا يلزمك أن تدفع الزكاة مرة أخرى لأن الفقر والمسكنة أمر خفي وقد يدعيه من ليس كذلك وسبق أن قلنا: إن الفقير والمسكين لا يطالب ببينة ولذلك فإنه تبرأ ذمته بذلك ويجزئه ذلك الدفع.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا تحرى ودفع الزكاة حتى لغير الفقير والمسكين يعني: دفع الزكاة مثلاً لمن يظنه من الغارمين ثم تبين له أنه ليس كذلك فإنه يجزئه ذلك ما دام أنه قد تحرى واجتهد وبذل وسعه في ذلك فإنه يجزئه ذلك وذلك لعموم قول الله - عز وجل: ﴿ فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾[التغابن: 16] وهذا قد اتقى الله ما استطاع وهذا القول هو الأقرب- والله تعالى أعلم- أن الإنسان إذا اجتهد وتحرى ودفع الزكاة لإنسان ثم تبين أنه ليس بمستحق للزكاة فإن ذمته تبرأ بذلك ويجزئه ذلك الدفع ولا يطالب بأن يدفع الزكاة مرة أخرى لكن ينبغي أن يجتهد في ذلك وأن يتحرى لأن الزكاة أمرها عظيم وهي فريضة وهي الركن الثالث من أركان الإسلام فينبغي أن يجتهد في ذلك وأن يتحرى فإذا اجتهد وغلب على ظنه أن هذا مستحق للزكاة ودفعها فإن ذمته تبرأ ويجزئه ذلك الدفع ولا يطالب به مرة أخرى واستدل بعض العلماء على ذلك بما جاء في الصحيحين: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر قصة ذلك الرجل الذي تصدق بصدقة على سارق فتحدث الناس قالوا: تصدق على سارق, فقال: اللهم لك الحمد, ثم قال: لأتصدقن الليلة المقبلة. فتصدق على زانية فقال الناس: تصدق على زانية. فقال: اللهم لك الحمد, ثم قال: لأتصدقن الليلة, فتصدق على غني فتحدث الناس فقالوا: تصدق على غني. فقال: اللهم لك الحمد, فرأى في المنام من قال له: إن صدقتك قد قبلت أما السارق فلعله أن يستعف وأما الزانية فلعلها أيضاً أن تعف, وأما الغني فلعله يعتبر وينفق مما أعطاه الله -تعالى) أو كما قال -عليه الصلاة و السلام- قالوا: فإن هذا قد قبلت منه صدقته لكونه قد اجتهد في ذلك ودفعها بنية صادقة هكذا من اجتهد في دفع الزكاة وتحرى في إعطائها مستحقيها فإن ذمته تبرأ بذلك مادام أنه قد اجتهد وبذل وسعه لأنه اتقى الله- تعالى- ما استطاع.
وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب الزكاة والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
بهذا أصل وإياكم مع شيخنا إلى نهاية كتاب الزكاة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: إذا كان الفقير يشتري عقاراً بأربعمائة ألف- كما مثلت- لكن إذا تجمع الزكاة على ثلاث آلف أو أربعة آلاف أو عشرة أو أقل أو أكثر فهل تدفع له أم لا تدفع ؟
يعني: تعطيها الزكاة على أقساط؟
لا.. يعني: يأخذ من ناس ثلاثة آلاف ويأخذ من ناس آخرين أو تدفع له عشرة آلاف هذه السنة ويكون يبني فكل عام يتم البناء أقصد: يتم ولو جزء يسير.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: أول شيء بعض المنازل عندنا بيوت محتاجة جداً يعني: من ظاهر حالهم أنهم فقراء ومحتاجون ولكن أولياء أمورهم مقتدرون لكنهم لا يصرفون عليهم, فهل يجوز دفع الزكاة لهم أم لا؟
السؤال الثاني: بالنسبة لما ذكرت أنه لا يجوز شراء البيوت من الزكاة لو دفعنا شيئاً من الزكاة وليست الزكاة كلها.
لعلنا نجيب السؤالين
الأولى: ذكرت أن الفقير إذا كان يشتري بيتاً يجمعه من الزكاة من عدة أناس نقول: إنه ما دام يصدق عليه وصف الفقر يجوز إعطاؤه من الزكاة ولا نسأله ماذا سيفعل بهذا الذي نعطيه لا نحقق معه ماذا ستفعل؟ مادام أنه فقير يجوز أن يعطى من الزكاة، وهو بعد ذلك لو أنه جمع ما أعطي من الزكاة واشترى به منزلاً فلا إشكال في ذلك ولكن الغالب أنه إذا جمع مبلغاً يستطيع شراء منزل به لم يعد فقيراً مثلاً إذا قلنا: إن البيت ثلاثمائة ألف ريال إذا كان هذا الفقير جمع هذه المبلغ ارتفع عنه وصف الفقر, لم يعد فقيراً لكن لو قدر مثلاً أنه جمع مبلغاً من المال ولازال وصف الفقر باقياً فيعطى من الزكاة، المهم أنه حينما تدفع له الزكاة يكون فقيراً أو مسكيناً.
تقول: بعض الناس محتاجون لكن أولياء أمورهم لا يصرفون عليهم؟
الزوجة إذا كانت مستغنية بزوجها وهكذا مثلاً المرأة مستغنية بوليها فإنها لا تعطى من الزكاة لكن لو قدر أن هذه المرأة فقيرة والزوج لا ينفق عليها, لا يعطيها وتحققنا من هذا فإنها تعطى من الزكاة لأنها في الحقيقة ليست مستغنية بزوجها ويصدق عليها أنها من الفقراء وقد قال الله - عز وجل: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ فإذا كان يصدق عليها وصف الفقر أو المسكنة ووليها لا ينفق عليها فإنها تعطى من الزكاة أما إذا كان وليها ينفق عليها ومتى ما طلبت من وليها أعطاها ما يسد حاجتها فإنها تكون مستغنية بوليها ولا تعطى من الزكاة.
ورد إلي كثير من الإجابات وهي في أغلبها إجابات نموذجية ولكن أكتفي بإجابة واحدة من أجل الاستفادة من الوقت في الأسئلة:
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الجواب الأول: يقول: رأي الجمهور أنه لا تجوز الصدقة للأغنياء إلا للخمسة الذين نص عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لغازٍ في سبيل الله أو لعامل عليها أو لغارم أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني) وقيل: إنها لا تجوز لغني أصلاً مجاهداً كان أو عاملاً والذين أجازوها للعامل وإن كان غنياً, أجازوها للقضاة ومن في معناهم ممن المنفعة عامة فيهم للمسلمين ويقول: وسبب اختلافهم هل العلة هي الحاجة فقط أم الحاجة والمنفعة معاً؟ فمن اعتبر الحاجة فقط قال: لا تجوز ومن اعتبر الحاجة والمنفعة العامة للمسلمين قال: بجوازها للمنصوص عليهم. وإن اختلفوا في حد الغنى, يقول: واختلفوا في حد الغنى المانع من الصدقة قال الشافعي: هو أقل ما ينطبق عليه اسم الغنى, وقال أبو حنيفة: ملك النصاب وقال مالك: ليس في ذلك حد- رحم الله الجميع- وإنما هو راجع للاجتهاد ثم يقول: واختلفوا أيضاً هل المنع منع لغوي أم شرعي؟ من قال: شرعي قال: وجود النصاب.. ومن قال لغوي: اعتبر أقل ما ينطبق عليه الاسم, وقد روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه ملك خمسين درهماً وفي أثر آخر أنه ملك أوقية وهي أربعون درهماً- والله تعالى أعلم.
بالنسبة للسؤال الآخر يقول: قلتم يا شيخ: لو دفع الزكاة لغير مستحقها يقول: إذا أخطأ في دفع الزكاة لمن لا يستحقها فإن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة فقال أبو حنيفة ومحمد والحسن وأبو عبيد -رحمهم الله تعالى- يجزئه ما دفع ولا يطالب بدفع زكاة أخرى واستدلوا بحديث معد بن يزيد -رضي الله تعالى عنه- الذي رواه أحمد والبخاري وحديث أبي هريرة (قال رجل: لأتصدقن الليلة..) الحديث، يقول: وذهب مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وابن المنذر -رحمهم الله تعالى- أنه لا يجزئه إذا تبين له خطؤه
على كل حال متى يجوز دفع الزكاة مع الغنى؟ الجواب عنها في عبارة المؤلف -رحمه الله تعالى- قرأناها قبل قليل أنه يجوز في حالات أربع: في العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والغازي والغارم لإصلاح ذات البين وكذلك أيضاً قلنا: ابن السبيل يعطى ما يوصله بلده ولو كان غنياً في بلده.
ونشكر الأخ على هذ البحث القيم وذكر بعض الأحاديث التي يحتاج إلى التأكد من صحة إسنادها ونقول: عنده اجتهاد وقدرة بحثية أيضاً ننصحه بأن يحرص على معرفة درجة الأحاديث التي يستدل بها لأن بعض الإخوة ربما يورد بعض الأحاديث الضعيفة والأحاديث الضعيفة لا يحتج بها فنشكر الأخ على هذ البحث لكن أيضاً نوصيه بالحرص على تخريج الأحاديث ومعرفة درجة صحتها.
نقول: الإجابة عن السؤال الثاني أنه إذا دفع الزكاة إلى غني ظنه فقيراً نقول: تبرأ ذمته ويجزئه ذلك وقد بينا هذا بالتفصيل في الشرح.
أبدأ بالأسئلة ولعل إذا تكرمتم الإجابات مختصرة.
يقول: هل يجوز دفع الزكاة للمسكين الذي يضيع جزءاً من راتبه الشهري الزهيد في شرب الدخان؟
نعم إذا كان يتحقق فعلاً أنه إذا أعطاه الزكاة اشترى بها أمراً محرماً كالدخان مثلاً فإنه لا يعطيه من الزكاة في هذه الحالة لكن إذا كان يعطيه لأجل نفقة مثلاً أو أنه لا يعلم أن هذا رجل مدخن لكن لا يعلم أنه سوف يشتري بهذه الزكاة دخاناً فالأصل أنه يجوز أن يعطيه من الزكاة لكن في مثل هذه الحالة يمكن أن يشتري حوائجه يعني مثلاً هذا الفقير أو المسكين يقول: اكتب لي حوائجك, ما الذي يحتاج إليه البيت؟ مثلاً يحتاج إلى أرز, يحتاج إلى كذا, يشتري له هذه الحوائج بالزكاة وهذا جائز على القول الصحيح وبذلك يحصل الغرض وهو إعطاؤه من الزكاة لدفع حاجته وأيضاً يحصل غرض آخر وهو أنه لا يشتري بهذه الزكاة أمراً محرماً.
يقول: هناك أناس يعرضون موسم الزيتون للاستثمار وهو على الشجر أي يستثمر الرجل أرضاً ويقول لصاحبها مثلاً: خذ مائتين ليرة سورية فيعصرها المستثمر ويبيعها فهل هذا العقد حرام؟ وما نوع زكاة كل من الطرفين؟ وإن كان حراماً فهل يزكيه؟
نعم.. لكن هذا الاستثمار السؤال مجمل -فيه شيء من الإجمال- يعني هذا الاستثمار بهذا الطريقة يعني: هل المقصود بيع الثمرة على شجر الزيتون وهل هذا بعد بدو الصلاح إذا كان كذلك وأن الثمرة موجودة وهذا بعد بدو الصلاح ويريد أن يبيع هذه الثمرة إذا كان بهذه الطريقة فإن هذا لا بأس به أما إذا كان السائل يقصد أمراً آخر لعله يوضحه في درس قادم- إن شاء الله تعالى.
وأما زكاة الزيتون سبق أن تكلمنا عن هذا في درس سابق أيضاً لعل الأخ يراجع الشرح فيما سبق.
لو تكرمتم بسؤالي الحلقة
السؤال الأول: ما المراد بيوم الشك وما حكم صومه؟
السؤال الثاني: إذا كان المسافر لا تلحقه مشقة في السفر فما الحكم في فطره في نهار رمضان؟
ونحن- إن شاء الله- سوف نبتدأ الدرس القادم بأحكام الصيام فجعلنا السؤالين في بداية أحكام الصيام. |